عاجل

البث المباشر

سوسن الأبطح

<p>كاتبة وصحفية لبنانية</p>

كاتبة وصحفية لبنانية

حرب العراق الثالثة بالـ"ريموت كنترول"؟

3 سنوات على الأقل، ستستغرق الحرب الأميركية على «داعش»، بحسب مستشارين للرئيس باراك أوباما. وكالة الاستخبارات الأميركية بدأت تتحدث عن 30 ألف مقاتل داعشي، بعد أن كانت التقديرات تحصرهم بـ10 آلاف، فيما المرصد السوري لحقوق الإنسان يتحدث عن 80 ألفًا موزعين بين العراق وسوريا.

الحرب الأميركية التي دشنت بغارات محدودة بالطائرات على مواقع في العراق ستتوسع لتشمل سوريا، وربما مناطق أخرى تستدعيها الحاجة. «لا شيء يمنع توسيع البقعة الجغرافية»، يقول العارفون بخبايا ما تخطط له الإدارة الأميركية. النقاشات كثيرة وساخنة، حول مفاجآت عديدة ومؤلمة، قد تحملها هذه الحرب التي كشف جزءا من استراتيجيتها الرئيس الأميركي، بالتزامن مع ذكرى أحداث 11 سبتمبر (أيلول). مصادفة بالتوقيت، تذكّر بأن الحرب الأميركية على الإرهاب بدأت رسميًّا قبل 13 سنة، ولن تجد خواتيمها على المدى المنظور، فيما التطرف يتفاقم بجنونية مقززة، وبعد أن كان مقتصرًا على «القاعدة»، تشظى هذا التنظيم وتكاثر، وصارت له وجوه وأسماء وفروع تتقاتل وتتصالح، ودولة تكسر الحدود، وولايات، وطموحات، ومجندون من أكثر من 87 دولة.

أوباما يصرّ على أنه ليس كسلفه جورج بوش في شيء، معتمدًا على أن أقدام جنوده لن تطأ أرض العراق وتتورط في لعبة الموت. بعض الخبراء العسكريين الأميركيين سيرسمون الخطط ويقودون المقاتلين المحليين من سوريين وعراقيين عن بعد، وسيتم التنسيق بين الضربات الجوية والهجومات الأرضية بالريموت كنترول. خطة نظيفة بالنسبة لأميركا وجنودها، شبيهة جدًّا بتلك التي اتبعت في ليبيا لإسقاط معمر القذافي، ودمرت البلاد عن بكرة أبيها وأتت على العباد، ولم تقم بعدها لليبيا من قائمة.

ثمة من يعتبر أن خطة أوباما ذكية ومحبوكة، وأن أمر نجاحها يتوقف، فقط، على مدى قوة التحالف الذي يستطيع أن يشد الأميركيون وثاقه، لا سيما مع الحلفاء الإقليميين المحيطين بمناطق القتال، وأصحاب النفوذ على الأرض. لكن آخرين يرون أن المنطقة العربية أرضها وحول متحركة، تبتلع كل من يدخلها. من هنا تأتي التحذيرات لأوباما، الذي يحلم بأن ينهي عهده بخواتيم مشرفة.

في فرنسا، ومع اندفاعة هولاند التي لم تصل حد الموافقة على الانخراط القتالي في التحالف، ثمة من يتساءل عن جدوى شن حرب مكلفة لن تكون نتائجها أفضل مما شاهده الجميع في ليبيا، بينما يمكن تضييق الحصار على «داعش» بأساليب أخرى، وهذا متاح. وهناك من يرفض الذهاب إلى مغامرة عسكرية، دون تفويض من الأمم المتحدة.

أحد الذين يحذرون من خطورة هذه الحرب، بصيغتها المعلنة، رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دوفيلبان الذي كان قد اعترض على غزو العراق عام 2003 حين كان وزيرًا للخارجية، وتبينت صحة قراءته بعد حين. اليوم يصف دوفيلبان مشروع الحرب الجديدة بأنه «عبثي وخطير»، منبهًا إلى حساسية شن حرب أميركية ثالثة على العراق، مقارنا بين أفغانستان عام 2001 حيث لم يكن هناك سوى تنظيم إرهابي مركزي واحد، أما اليوم يقول دوفيلبان: «لقد جعلنا منه نحو 15 تنظيمًا». وهو يرى أن الذهاب إلى الحرب في منطقة قاتلة وممزقة الهوية، مخاطرة ستجيش مزيدا من القوى وتجعلها تتكتل وتتوحد ضد فرنسا والغرب.

دوفيلبان لا يجانبه الصواب؛ فتنظيم «داعش» بكل الويلات التي يتسبب بها ليس سوى الرأس الظاهر من جبل جليد المجموعات المتطرفة التي باتت تتغلغل وتكتسح من الصومال مرورًا ببلاد الشام وصولًا إلى اليمن. الضربات الأميركية قد تنجح في العراق مثلًا أو حتى في سوريا، لكنها ستلهب في الوقت نفسه فتيل الجنون والتحدي، والشعور بالغبن والاستهداف لدى مجموعات متطرفة في الأردن ولبنان، وربما مصر وتونس وبلدان أخرى. «داعش» ليس سوى نموذج يستفحل، ويعدد أسماءه، لكن المنهج واحد والخطر هو نفسه، ومكافحته تستدعي تحالفًا عميقًا، بين كل البلدان المتضررة، بينما تبدو تركيا، على سبيل المثال، وهي البلد الرئيسي لإحكام الحصار على «داعش»، لا تزال مترددة ومشككة بالتحالف.

منذ حرب الخليج الأولى عام 1980 نسي أهل المنطقة إسرائيل وانشغلوا بتذابحهم البيني، وتوالدت المعارك. ولم تنجح الأرمادات الأميركية والأساطيل الجرارة بطائراتها الذكية وصواريخها الموجهة بدقة جبارة، بأكثر من رفع منسوب الإجرام والقتل والتدمير والتطرف، وزيادة عدد الضحايا، وتفريخ التنظيمات الإرهابية، وجعلها تمتد على مساحة لا توفر بقعة أو بلدًا.

حرب جديدة، إذن، ستسرق من أعمارنا المهدورة سنوات أخرى، قد تقضي على «داعش» وتفرخ عشرات غيرها؛ ففي حرب أفغانستان، كما في غزو العراق، لم يتناسب حساب الحقل مع حصاد البيدر، وما انهيار العراق اليوم، وعودة أوباما إليه بعد أن فر هاربا قبل 3 سنوات، إلا دليل على أن الحروب الأميركية كلها جاءت بالموت ولم تستولد إلا التفتت والتمزق.

لقتال «داعش» ثمة ألف طريقة، وقد لا يكون تحالف رنان، يتباهى بأنه يضم 40 دولة ليس بينها دولة مستعدة للتضحية بجندي واحد هو الحل. لو صدقت هذه الدول الكثيرة نواياها، وشددت الخناق المالي والجغرافي على «داعش»، لإغلاق المسارب والشرايين المفتوحة التي تضخ المال والسلاح في جسده، من كل الجهات المحيطة به، فعلًا لا ادعاء، لاختنق من تلقاء نفسه وخرّ صريعًا. لكن ثمة من لا يزال يراهن على بعض المكاسب الصغيرة، التي يمكن أن يجنيها من المجموعات المتطرفة، ولم يصدق بعد أن خطرها لن يرحم أحدا، وهنا بيت القصيد.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

aawsat.com/home/article/180971

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات