من أي رحم سياسي ولد «داعش»؟

سليم نصّار

نشر في: آخر تحديث:

عندما ألقى الرئيس التركي رجب طيب اردوغان كلمته أمام البرلمان، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، نفى وجود أي رغبة لديه بالتدخل في شؤون الدول العربية المتاخمة. وشدد في كلمته على ضرورة عودة مليون ونصف المليون نازح من سورية والعراق، فيما اكتفت الدول الاوروبية باستقبال مئة وثلاثين ألف نازح سوري فقط. واعترف اردوغان بأن الدولة التركية صرفت عليهم أكثر من أربعة بلايين دولار، وأن هذا الرقم مرشح للازدياد في حال وصلت موجة جديدة نتيجة المعارك الدائرة ضد «داعش».

التوقعات التي حذر اردوغان من تداعياتها، تحققت عقب انفجار معارك الشوارع في مدينة كوباني (عين العرب) بين الأكراد ومقاتلي تنظيم «داعش». وكانت النتيجة لجوء أكثر من مئة وأربعين ألف كردي الى تركيا خلال أسبوع واحد. وقد استقبلهم رئيس الوزراء أحمد داود اوغلو بصيحات الغضب، معتبراً أن موجات النزوح الى بلاده تشكل تهديداً لسلامة الأمن القومي. ولكنه امتدح القرار الذي صدر عن البرلمان لتفويض الحكومة استخدام الجيش خارج الحدود.

وحول هذه النقطة بالذات، ركزت عناصر المعارضة في البرلمان التركي على التذكير بأن برلمان عام 2003 رفض منح الحكومة هذا التفويض أثناء الغزو الاميركي للعراق. والمؤكد أن داود اوغلو لعب دوراً مهماً في حينه، من أجل إقناع أعضاء البرلمان بضرورة رفض مشاركة واشنطن في عملية إسقاط نظام صدام حسين.

وحجة داود اوغلو آنذاك أن العراق لم يكن يشكل مصدر خطر على تركيا. ولو أنها شاركت في تلك الحرب، فإن صورتها في العالم العربي والاسلامي ستتبدل الى الأسوأ، خصوصاً أن القرار الدولي كان يحظر الطيران فوق العراق شمال خط العرض 36، الأمر الذي جعل الحدود التركية آمنة.

ويرى داود اوغلو أن مصلحة بلاده تقضي بأن تنضم الى التحالف الدولي لكي تبقى في حدود التأثير في مستقبل سورية والعراق بعد القضاء على «داعش». لذلك فهي تطالب بمنطقة حظر جوي آمنة داخل الأراضي السورية.

ولكن إدارة اوباما تتخوف من طموحات اردوغان الذي يؤمن بأن النصر ضد «داعش» من الصعب تحقيقه إذا بقي الأسد في الحكم. وهو يستند في توقعاته الى قرائن تاريخية تؤكد أن الامبراطورية العثمانية كانت تستخدم سورية كقاعدة لترويض الدول العربية المتاخمة. وبما أن الرئيس التركي طامح الى إحياء ذلك الدور، الذي تتقاسمه ايران مع منظمات المعارضة، فهو عازم على غزو سورية.

ومع أن إدارة الرئيس اوباما تشاطره الرأي في ضرورة إنهاء حكم الأسد، إلا أنها تفضل تنفيذ هذه الخطة عبر المعارضة السورية المعتدلة... لا عبر تركيا. والسبب أن القبول بهذا الخيار سيشجع ايران على احتلال العراق، الأمر الذي يفتح «صندوق باندورا» على مختلف الاحتمالات.

والسبب الذي يطرحه اوباما في هذا السياق مرده الى صعوبة التعامل مع الأسد، كونه لا يتأثر بالغارات الجوية ضد شعبه... أو بالضغوط الديبلوماسية.

وقد أثبتت الأحداث أن التحرك ضد الأسد يترتب عليه الخلاف مع موسكو وطهران وبغداد، خصوصاً أن هذه القوى الداعمة لنظام دمشق هي أيضاً شجعت الحرب على «الدولة الاسلامية».

من أجل التوصل الى تسوية سلمية في سورية، عُرِضَت على الرئيس اوباما اقتراحات عدة صعبة التنفيذ: الاقتراح الأول قدمه وزير الخارجية جون كيري، وهو يميل الى قلب موازين القوى العسكرية بحيث يُضطر جنرالات سورية وأبناء طائفته العلوية، الى المفاضلة بين المساومة على رحيل الأسد... أو مواجهة الدمار الشامل.

أما الاقتراح الثاني، الذي قدمه البروفسور هنري باركي، فيقول بأهمية إبرام هدنة بين رموز النظام السوري والمعارضة المعتدلة، بحيث تنتهي باستبعاد الأسد مقابل الحفاظ على نظام البعث.

والثابت أن الاقتراحَيْن لم يخدما فكرة اوباما الذي يرى في نظام الأسد مصدراً لتغذية مقاومة الوجود الاميركي في العراق... ومحرضاً لدعم «القاعدة» وأنصارها من أمثال أبو مصعب الزرقاوي وتلميذه أبو بكر البغدادي.

يقول مراقبون اميركيون أرسلتهم واشنطن الى تركيا الأسبوع الماضي، إن معركة كوباني عبَّدت الطريق أمام مقاتلي «داعش»، وسهّلت لهم عملية نشر نفوذهم على المناطق الواقعة بين العراق وتركيا، وفي مناطق بالغة الأهمية لأنها تؤمّن لـ «الدولة الاسلامية» فرص التحكم بطرق التموين والامدادات والنقاط الحيوية للموارد النفطية.

ويعترف قادة الأكراد بأن كوباني تمثل لهم ما كانت تمثله ستالينغراد بالنسبة الى الروس خلال الحرب العالمية الثانية... أي خط الدفاع الأخير. لذلك يتفانون في الدفاع عنها، ويطالبون دول التحالف بضرورة مضاعفة الهجمات الجوية، ولو أدت الى تهديم منازلهم. وقد ساءهم مشهد الراية السوداء مرفوعة فوق أكبر عمارات مدينتهم. لذلك قرروا عدم التراجع عن مواصلة القتال بهدف استرجاعها.

الصحف الغربية غير متفائلة بجدوى هذا القرار الذي يحمِّل الأكراد مسؤولية حرب قد تدوم عشر سنوات. وقد احتاجت الولايات المتحدة الى هذه المدة قبل أن تقوِّض نفوذ «القاعدة».

والمؤسف في هذا المجال أن المعركة الإعلامية التي خسرها «داعش» بسبب سكاكينه الطويلة، بدأ يستعيدها بفضل حملات التبرير التي تقودها أقلام معارضة للسلوك الاميركي ضد العرب.

الدكتور مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا السابق، دشن هذه الحملة بانتقاد القائلين إن «داعش» هو نتاج نظرية صدام الحضارات. وقال في بداية مقالته الطويلة إن الرأي العام البريطاني أُصيب بالرعب، بسبب عملية قطع رأس مواطن مسالم. واعترف بأنه هو شخصياً أُصيب بالرعب والخوف، لأن الاسلام، وفق خبرته ومعرفته، لا يبشر بالعنف ولا يحبذ الارهاب. والقرآن الكريم يؤكد ذلك في الآية: «لا إكراه في الدين».

ولكن الوقائع تثبت أن هناك أعمال عنف يرتكبها مسلمون. بل إن هناك مجاهدين هاجروا من بلدان غربية لينضموا الى منظمات ثورية تحارب الدول التي تستضيفهم.

وبعد طرح السؤال المحيِّر: لماذا يفعلون ذلك؟ يجيب مهاتير بالقول: منذ فترة وجيزة ارتكبت اسرائيل ضد مواطنين مسلمين (ومسيحيين) مجازر جماعية ذهب ضحيتها أطفال وعجزة وأبرياء. هذه الفظائع لم تحرك شفقة الاوروبيين والاميركيين. بالعكس، فقد وهبت الولايات المتحدة ربيبتها اسرائيل المال والسلاح، بحيث زادت من عمليات تدمير المنازل وطرد السكان.

وبعد استعراض سلسلة المظالم التي ارتكبت بحق الفلسطينيين، ينتقل مهاتير الى العراق ليتحدث عن الكذبة «المفبركة» التي بررت غزو الاميركيين لذلك البلد العربي. ثم ينتقل الى استحضار معارك البوسنة، وكيف حصدت في النهاية 12 ألف مسلم.

وفي نهاية المقالة، يخلص الرئيس مهاتير الى محصّلة إنسانية، مفادها أن العدالة والإنصاف واحترام مشاعر الشعوب ودياناتها ومعتقداتها ومقدساتها... هي وحدها الحل الذي يلغي «داعش» وأمثاله، وهي وحدها السكين التي تقطع رأس الارهاب والعنف في العالم العربي والاسلامي.

هذا الأسبوع، كرر الممثل الاميركي، بن افليك، نظرية العلاقة بين الارهاب وانتفاء العدالة، أثناء جدل محتدم بينه وبين الفيلسوف سام هاريس، في برنامج تلفزيوني. ولما انتقد سام الاسلام تصدّى له بطل فيلم «أرغو» بالقول: «هناك بليون شخص مسلم، ليسوا متطرفين، ولا يسيئون الى المرأة، ويحرصون على تحصيل العلم في المدارس. هؤلاء وأمثالهم لا يمارسون الأعمال التي تدّعي أن المسلمين يمارسونها. لقد قتلنا (يعني المسيحيين) من المسلمين أكثر مما قتلوا من صفوفنا بفارق كبير».

هذا، وقد أثار ذلك الجدل موجة من ردود الفعل، تفاوتت بين التأييد والانتقاد. ولكن تفاعلاتها تركت أثراً كبيراً في مجتمع درج على تصنيف البشر بين شيطان وملاك. وكان من حصيلة النقاش الحاد الذي طرحه الممثل، عبرة تقول إنه لا يجوز أخذ المسلمين كلهم بجريرة فئة ضالة شاءت أن تدّعي الخلافة لتمرير مشاريعها السياسية. وعليه، يجب إعادة النظر بأعمال المسلمين، وليس في الاسلام الذي يبشِّر بالتسامح وعدم الإكراه.

بقي أن نذكر أن الكاتبة البريطانية المعروفة، كارين ارمسترونغ، دخلت في هذا الجدل من باب نظرية جديدة حول أسباب العنف ومبررات الحقوق الانسانية. علماً أن هذه الراهبة (سابقاً) قدمت الى المكتبة العالمية أفضل المؤلفات وأكثرها ترجمة للغات أخرى. ويأتي مؤلَّفها عن النبي محمد (صلّى الله عليه وسلّم) في طليعة المؤلفات التي كتِبَت بالانكليزية عن السيرة النبوية.

ووفق كتابها وعنوانه «حقول الدم»، فإن أيديولوجيات العنف السياسي أثبتت تفوقها على ايديولوجيات العنف الديني. وبين أمثلتها الواقعية ما ارتكبته الحربان العالميتان من مآسٍ ودمار، من دون أن يكون للدين أي أثر في اندلاعهما.

وفي رد المعلّقين على طروحات مهاتير، فإن المبررات التي قدمها الى المنظمات الارهابية في العالمَيْن العربي والاسلامي، لا تحمل الأحكام التخفيفية على اعتبار أن خطأين لا يساويان صواباً.

ومعنى هذا أن الأخطاء المشينة التي ارتكبها مسيحيون بحق مسلمين، لا تعطي المسلمين الحق في الخروج على القوانين الدولية. كما لا تعطي «القاعدة» و «داعش» ومن لفّ لفّهما، الحق في استغلال الدين، واستثمار غضب الشعوب لتكرار جرائم المستعمِرين!
نقلاً عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.