عاجل

البث المباشر

أبوسياف... مرة أخرى

اثنان آخران يخرجان إلى النور وإلى الحرية بعد خمسة أشهر من التغيب عن الحياة على يد عناصر مسلحة في جزيرة سولو جنوب الفلبين. ليس هناك من هم أكثر فرحا وسعادة اليوم من "ستيفان أوكونيك" و"هيريك ديلين" الألمانييْن اللذين أُفرج عنهما اليوم، ولا يَعرِف حجم هذه السعادة الغامرة التي هي بين الحلم والحقيقة سوى من جرّب أن تسلب حريته.

كنت أتابع تطورات قضية الزوجيْن الألمانييْن وتهديدات الخاطفين لهما بالقتل، وكأنني أعيش مرة أخرى تلك اللحظات التي عشتها كما عاشها الزوجان. الأكثر إثارة كان حينما سمعت أن المتحدث باسم الخاطفين هو أبو رامي، فأبو رامي شاب في الخامسة والعشرين من عمره ترك دراسته الجامعية من السنة الأولى والتحق بالجبهة الوطنية لتحرير مورو في جزيرة سولو ثم بمجموعة تتبع زعيم جماعة أبوسياف الحالي "ردولان ساهرن"، ولم يدم معها طويلا، حيث التحق بتجمع سكاني مرتبط بجماعة أبي سياف يرأسه "كسمان سوادجان"، لص سابق، وزعيم أحد التجمعات السكانية التابعة لأبي سياف.

أبو رامي وهو الوحيد من بين تجمع سكاني يقدر عدده بمئتي شخص من يتكلم اللغة الإنجليزية أما البقية فلا دراية لهم سوى باللغة المحلية في الجزيرة وهي "تاوسوغ"، مع ذلك فهو يتحدث الإنجليزية بركاكة، ويهدد بها ويتوعد !

كان أبو رامي، ويعرف أيضا باسم "آمْز" وهو اختصار لاسمه الحركي "عمار" أول شخص التقيته من الخاطفين، وكان المترجم بيني وبين زعيم الخاطفين "كسمان سوادجان"، وكان أبو رامي صاحب فكرة أن يتم تصويري والسكين على رقبتي كما ظهر "ستيفان" الألماني في إحدى الصور، رفضت بشدة وقاومت حتى أصبت بقطع طويل وعميق في يدي اليمنى، لم يتورع أبو رامي بأن يرسل لكل من كانوا في قائمة هاتفي رسائل تهديد يقول فيها :"إن لم تدفعوا الفدية فسنقطع رأس الرهينة". نفس الأسلوب الذي استخدمه مع الزوجين الألمانيين.

كان كلما شعر بأن هناك مالا يمكن أن يدفع كفدية يقول لي "أنت أخي" وكلما شعر بأنه لا توجد أي فدية، يقول أنتم خوارج! فأسأله هل تعلم ما معنى خوارج؟ فيتلعثم ولا يجيب !

كم هو عظيم جهل هؤلاء، فهم لا يعرفون سوى عالم الغاب الذي يعيشون فيه، حتى عن الإسلام لا يعرفون إلا القليل، وما يعرفونه خليط بين التقاليد والدين، بل عن القضية التي يقولون إنهم يحملون السلاح لأجلها، وهي قضية جنوب الفلبين لا يعرفون شيئا عنها. أبو رامي الأكثر تمدنا بينهم يسألني تارة هل الأمريكان شيعة ! وتارة أخرى أليست لندن في الولايات المتحدة!! فأجيبه: إلى اليوم الذي خطفتموني فيه كانت لندن في مكان آخر، لكن لا أدري ماذا جرى بعد خطفي!

التعريف الأدق أنها تجمعات سكانية تنتشر في طول وعرض جزيرتي سولو وباسيلان جنوب الفلبين تمتهن الخطف والقتل، وتتشكل من عدة عوائل تسيطر عليها العائلة الأكثر نفوذا وهي التي تمتلك المال السلاح. وعلى من يترأس تجمعا سكانيا أن يوفر الطعام والشراب والسلاح للعوائل الأخرى، مقابل ذلك تتم خدمة العائلة الكبرى، وكل زعماء العوائل لهم تواصل مع التجمع السكاني الأكبر الذي يرأسه زعيم جماعة أبو سياف "ردولان ساهرن"، وهناك اتفاق بين كل هذه التجمعات بأن تحمل اسم "أبو سياف" مقابل أن يحصل "ردولان" على عشرين في المئة من أي دخل يحصل عليه أي تجمع سكاني سواءً عبر الخطف أو السرقات أو التبرعات !

الأدهى من ذلك، أن يتم التستر ودعم هذه التجمعات ومدها بوسائل الحياة والاستمرار من قبل عناصر متنفذة في الفلبين، وكيف لا؟ والخطف بحد ذاته تجارة تدر مداخيل عالية على الكثيرين، فهناك من يخطط وينسق ويحضر الأهداف لهذه المجموعات القابعة في الغابات، وحال وقوع أي عملية خطف ينبري كثيرون من سياسيين وأمنيين للعمل كوسطاء لتحرير الضحايا. ولكي تستمر تجارة الخطف هذه تُربط هذه التجمعات بمجموعات مسلحة تصنف دوليا بأنها إرهابية كالقاعدة وغيرها، فكل خبراء الجماعات المسلحة يؤكدون أن ارتباطات تجمعات "أبو سياف" هي داخلية في غالبيتها وتحركها مراكز نفوذ داخل الفلبين، حتى العناصر التابعة للجماعة الإسلامية في جنوب شرق آسيا والتي أوَت إلى جنوب الفلبين قبل وعقب تفجيرات بالي غادرت في معظمها الجنوب، بل إن بعضها كان ملاحقا من قبل عناصر من هذه التجمعات، بغية الحصول على مكافآت مالية.

غير أن محاولة هذه التجمعات الاقتراب من تنظيم الدولة عبر مطالبة ألمانيا الانسحاب من التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة كشرط من شروط الإفراج عن الزوجين الألمانيين قد يندرج في هذه المرحلة في إطار التأثر بالدرجة الأولى بتنظيم الدولة وممارساته، ولغرض البحث عن ممول وداعم لها، وليس مستبعدا أن يتبنى تنظيم الدولة تجمعات كهذه لاحقا.

قد يستغرب البعض إن عرف أن مواقع هؤلاء الخاطفين معروفة لدى الكثيرين، ومجرد الحديث مع أي محلي في تلك الجزيرة يمكن أن يدلك أين هي مواقع هؤلاء المسلحين، بل أكثر من ذلك، فكل معاملاتهم ومفاوضاتهم حول الرهائن تتم عبر الهواتف النقالة، وصورهم تملأ وسائل التواصل الاجتماعي وفيسبوك!

تهنئة من القلب لستيفان وهيريك بنيلهما الحرية من جديد، لكن رهائن آخرين ما زالوا بقبضة هذه التجمعات السكانية، يجب العمل على تحريرهم، والضغط على الحكومة الفلبينية ومؤسساتها لتكون أكثر جدية في التعامل مع ملف الرهائن، ومع كل المتعاونين مع الخاطفين، وأن يتحمل ممثلو مسلمي الفلبين مسؤولياتهم لكي يرفعوا الغطاء عن مثل هذه التجمعات تمتهن الخطف، والخطف فقط، وتتستر باسم الدين.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات