عاجل

البث المباشر

سليمان جودة

<p>كاتب وصحفي مصري</p>

كاتب وصحفي مصري

كفانا عبادة للأنماط!

أتمسك بأن ثورة 25 يناير 2011 لم تكن على حسنى مبارك، كحاكم، ولا عليه، كشخص، بقدر ما كانت على فشل ثورة يوليو 1952 فى تحقيق مبادئها فى مجملها.
وربما يكون التأمل الهادئ فى شعارات «يناير» الثلاثة الشهيرة، كاشفاً فى هذا الاتجاه، لأن المتأمل لها سوف يكتشف أنها ليست سوى صياغة عصرية وجديدة لثلاثة من مبادئ يوليو، فالمحتوى فى النهاية بين هذه كشعارات وبين تلك كمبادئ واحد، وإن اختلفت الصياغة!
فما معنى أن يأتى المصريون فى عام 2011 ليرفعوا شعارات كانت «يوليو» قد رفعتها هى نفسها فى عام 1952؟!.. معناه المباشر أن الذين خرجوا فى يناير 2011 قد راحوا يفتشون فى حياتهم عن رصيد لشىء مما كانت «يوليو» قد دعت إليه فى زمانها، فلم يجدوا، فثاروا عليها، وعلى مبادئها، أكثر مما ثاروا فى الحقيقة، على الحاكم الموجود على الكرسى وقت خروجهم أياً كان اسمه!
ومن المهم هنا أن ننتبه إلى شيئين مهمين، أولهما أن الذين ينتقدون «يوليو» بشكل عام، وعبدالناصر بشكل خاص، هذه الأيام، لا يفعلون ذلك لأنهم يكرهونها، أو يكرهون الرجل، ولا حتى لأنهم ضدها، أو ضده.. وإنما كل الحكاية أنهم ضد الطريقة التى اعتمدتها «يوليو» فى تنفيذ مبادئها، وضد الوسيلة التى اعتمد عليها عبدالناصر فى تجسيد أفكاره على الأرض.. هذا هو كل ما فى الأمر!
إذ لا خلاف أبداً على ضرورة مبدأ العدالة الاجتماعية الذى كان - على سبيل المثال - واحداً من مبادئ ثورة يوليو الستة، ولا أظن أن اثنين عاقلين بيننا يمكن أن يختلفا على أنه مبدأ رفيع، وعلى أنه كان كفيلاً بنقل المصريين جميعاً، من حال إلى حال آخر، لو أنتج عبدالناصر أسلوباً مختلفاً فى تحقيقه، ولو أنه فكر فيه، بشكل مغاير لما حدث.
فإذا ما سأل أحد، هنا، عن المعيار فى الحكم على أسلوب عبدالناصر، وعلى طريقته، بأنها كانت خطأ، أو غير خطأ، فسوف أقول إن تجارب الدول الأخرى، فى العالم من حولنا، هى المعيار، ولا معيار غيرها!
ولذلك، فالسؤال هو: هل استطاعت دولة فى العالم أن تفلح، أو تنجح بين الأمم، وهى تفهم العدالة الاجتماعية بمعنى التأميمات والحراسات، والتصفيات والمطاردات لرأس المال؟!
لم يحدث، وبما أنه لم يحدث، وإذا كان قد حدث، فقد اقترن بالفشل، فالأجدى، ونحن فى عام 2014، ألا نستعيد ما كان، وأن نفكر بطريقة أخرى، وأن نستحضر المبدأ الذى لا خلاف عليه، من حيث مضمونه، ثم نستبعد الطريقة التى حاولنا تطبيقه بها، لأن ستة عقود من الزمان، من 1952 إلى 2011، قد قالت لنا، بأصدق بيان، إن ما اعتمدته «يوليو» من أساليب لا يؤدى، فى أيامنا هذه، إلى شىء، بل يؤدى إلى عكس ما هو مطلوب تحقيقه بالضبط!
لقد أدت الطريقة التى اعتمدها عبدالناصر فى تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية، فى شقها الاقتصادى، إلى قتل القطاع الخاص، وإلى إنتاج قطاع خاص مشوه، وإلى إفقار الأغنياء، دون أن يكون البديل، فى المقابل، هو إثراء الفقراء، إذا صح التعبير!.. ثم كانت العاقبة الأخطر أن القطاع الخاص، إجمالاً، صار شيئاً سيئ السمعة، إلى أن يتمكن هو من إثبات عكس ذلك!
العقل يقول إنه إذا كان قد جاء وقت علينا دعونا فيه كثيرين بيننا إلى الكف عن الأشخاص، لقد آن لنا، فى وقتنا الحالى، وفى لحظتنا الراهنة، أن نتوقف ليس فقط عن عبادة الأشخاص، وإنما عن عبادة الأنماط، التى ثبت فشلها، إذ لا وقت عندنا نضيعه فيها من جديد.


*نقلاً عن "المصري اليوم"

http://www.almasryalyoum.com/news/details/552081

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة