سيّد قُطب: التكفيرُ للعالمين!

أنور الهواري

نشر في: آخر تحديث:

سيد قُطب [1906م - 1966م]، مثقف مصرى، عاش حياته بالطول وبالعرض، تفاعل مع مثقفى عصره الكبار، واقترب من طه حسين والعقاد، تقلّبت به طباعُه الذاتيّة، بين تطرف واعتدال وتطرف، كتب أعمالاً جميلةً فى الأدب والنقد والتصوير الفنى فى القرآن، حتّى إذا ساقتْه الأقدار إلى فكر الإخوان المُسلمين وجد فيه وفيهم ضالّته المنشودة، ترأس قسم الدعوة والنشر، وترأس تحرير صحيفتهم، والتقط بذور التكفير الضمنى من الشيخ حسن البنا، وأسس نظريته الجديدة فى التكفير الصريح والشامل لكل من سكن هذه الأرض، لم يترك حضارة دون تكفيرها، ولم يترك قارّة من القارات الست دون تكفيرها، بسط لواء التكفير على الكون كله.

الشيخ حسن البنا هو مُلهمُ التكفير الضمنى المُناور المُراوغ، الذى يُضفى عليك الإسلام إذا كانت له عندك مصلحة، أو إذا كان على حال من الضعف لا تسمح له بأن يُجاهر بتكفيرك.

سيد قُطب- وهو لم يحمل لقب شيخ ولا أستاذ- هو مُلهمُ التكفير السريع السهل الواضح المباشر الذى لا يُناور ولا يُراوغ ولا يُدارى، شهادة كُفرك تصلُك حيثُ أنت، تُفيدُ بخروجك من الملّة كائنا من تكون.

لم يُقدّم سيد قُطب أفكاره على أنها اجتهاداتٌ تقبلُ الخطأ والصواب، بل قدّمها على أنها الإسلام، وما يُخالفُها هو الكُفرُ والضلال. كذلك لم يُقدم الرجلُ أفكاره على أنها تجارب ورؤى وأحاسيس ومشاعر ذاتية لأديب وناقد أدبى كبير، بل قدّمها على أنها علمٌ موضوعىٌ وفقهٌ موزونٌ.

عزف سيد قطب على أوتار الغموض، بين الأدبى والدينى، بين الذاتى والموضوعى، بين الاجتهاد الشخصى الذى يُؤخذ أو يُردُّ والاجتهاد الجماعى الذى ينالُ الرضا والقبول.

مُشكلة سيّد قُطب الكُبرى هى أنه قرّر أن يسطو على القُرآن نفسه، فقدّم ما يُريدُ تقديمه فى ثنايا التفسير، فى طوايا الآيات، فأشعل الحرائق- فى العالم كله- وهو جالسٌ «فى ظلال القُرآن الكريم»، وهذا هو الاسم الذى يُعنون تفسيره الكبير.

سيّد قُطب، هو صاحبُ الانحراف الأخطر فى تاريخ الفكر الإسلامى، فهو بسطوه على القُرآن، اختطف الإسلام نفسه، وأعاد قراءته، وأعاد تعريفه، من «رحمة للعالمين» كما أراده الله أن يكون، إلى «قسوة على العالمين» كما أراد سيد قطب وكما اشتهى كل الذين اتبعوه فى أركان المعمورة.

عندى اقتناعٌ بأن سيد قُطب كان من الوارد أن يعيش حياةً أروع من تلك التى عاشها، وأن يُقدّم أفكاراً غير تلك التى ختم بها أيامه، لو كان قد نجح فى إدارة ذاته، وضبط أعماقه، وترشيد تحولاته العاصفة، التى انتهت بجحيم وضع نفسه فيه، ثم قرّر أن يضعنا- جميعاً- فيه، فمعه ومع تفسيره تحوّل الإسلامُ إلى قوة من نار تتأجج فى كل اتجاه.

كذلك، عندى اقتناعٌ بأنّ الذين اتبعوه لم يتخيّلوا أن الرجل- فى العلم الدينى- هو من الهواة، ولستُ أُحبُّ أن أقول ما أعتقده- فى نفسى- إنّه جاهلٌ كبيرٌ فى علوم الدين، وقد علمتُ- عن طريق الشفاهة غير المكتوبة- أنّ هذا كان هو رأى الأستاذ العلّامة محمود محمد شاكر.

وللأسف الشديد، فإن الشيخ حسن البنا، ومن بعده سيد قُطب، كلاهُما أسس لحقبة «الهواة» فى تاريخ الدعوة الإسلامية، حُشود من المتطفلين، انتظموا فى جماعات وتنظيمات تأوى الجهل بالدين، معلمون وأطباء ومهندسون وبياطرة وصغار موظفين وعمال وفلاحون، فوضى دعوية عارمة، هوس دينى عارم، حتى هذه الوجوه التى جاءت مع عصر الفضائيات، ولا أحبُّ أن أذكر أسماء، بعضهم تقف وراءه أجهزة أمنية، وبعضهم تدعمه مخابرات أجنبية، وبعضهم تحركه أنظمة عربية، وكلُّهم جاهلون يُغريهم حالُ الانحطاط الثقافى فى بلادنا.

سيّد قُطب، مثقفٌ مثل كل المثقفين، منهم المعتدل ومنهم منحرف المزاج، ومنهم الطبيعى ومنهم غريب الأطوار، ومنهم هادئ التأملات والنظرات والمواقف، ومنهم العاصف الحادُّ فيما يُبدع ويفكّر وينحاز إليه أو ضده. ولا يؤخذ على سيد قطب طبيعته المزاجية السيئة، فهى مصدرُ إلهامه، وهى مُحرك إبداعه، وهى قدره الذاتى الآسر، فالرجل أخفق فى أن يعيش حياةً طبيعيةً مثل كل البشر، عاش متوحداً مع ذاته، غير مُتسق مع واقعه، هاربا من زمانه وناسه. لكن الذى يؤخذ عليه أن الرجل حين اهتدى إلى الله، أو هرب إلى الله، أخذه إلى جانبه، وأعلن الحرب- باسم الله- على الكون كله.

سيد قُطب وجد نفسه مع حشود الإخوان.

فهُم- من جهة أولى- ناس جاهزة للسمع، وجاهزة للطاعة، دون نقد أو تفكر أو تمحيص، وقد مات مُرشدهم، الذى كانوا يجلسون بين يديه كما يتمدد جسدُ الميت بين يدى غاسله.

وهُم- من جهة ثانية- يعيشون ظروف محنة فى سجون عبدالناصر- بعدما كانوا حُلفاءه الأقربين- وكانوا على أتمّ الاستعداد لتلقّى هذه الطبعة «القُطبيّة» من الإسلام، وهى طبعةٌ قاسيةُ الطباع، سيئة المزاج، مُنحرفة التوجهات، تجلّت- بوضوح- فى كتابه «معالم فى الطريق».

انتبه عبدالناصر إلى خُطورة الكتاب، وانتبه إلى وجود شُحنة قتالية فى كل سطوره، وانتبه إلى وجود تنظيم جديد مُنبثق من الإخوان يعتنق هذا الفكر الحربى.

ولكن عبدالناصر أخطأ فى العلاج، أخطأ فى إعدام سيد قطب، سيد قطب لم يكُن فى حاجة إلى إعدام يجعل منه أسطورة، بل كان فى حاجة إلى علاج نفسى وروحى، يردُّه إلى طباع الأسوياء من البشر.

الحديثُ مُستأنفٌ.

*نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.