حكاية مدينتين أو أكثر من خلال صباح

خير الله خير الله

نشر في: آخر تحديث:

حكاية صباح، التي ودّعها لبنان الأحد الماضي، ليست حكاية امرأة استثنائية صنعت نفسها من لا شيء فحسب، بل هي ايضا حكاية مدينتين ايضا. إنّها حكاية بيروت والقاهرة ومدن عربية أخرى كانت تصنع نجوما يصبح لديهم وجود في العالم. ماتت صباح عندما ماتت القاهرة كمدينة الفن والغناء والموسيقى العربية. ما بقي حيّا من صباح كان ما بقي حيّا من بيروت التي احتضنت النجمة بدفء وحنان وحمتها حتّى اليوم الأخير من حياتها، بعدما جار عليها الزمن ولم يبق سوى عدد قليل من الأصدقاء ظلوا اوفياء لـ»الشحرورة».

من خلال الحياة الحافلة لصباح يكتشف المرء السقوط المريع للمدن العربية بفعل اجتياح القرية للمدينة. من خلال صباح، التي غنّت في باريس ولندن ونيويورك، في الصالات التي لم يدخلها ولن يدخلها سوى كبار النجوم العالميين، تتكشّف الفضيحة العربية.

ما صنع صباح كان القاهرة، وذلك على الرغم من أن النجمة تحوّلت لاحقا إلى جزء لا يتجزّأ من كلّ ما هو لبناني. صنعتها القاهرة التي ذهبت اليها المغنّية اللبنانية في الأربعينات من القرن الماضي هربا من ظلم الوالد ومن ضيق سبل العيش في لبنان. كانت القاهرة مصنعا للنجوم. كانت ممرّا اجباريا لكلّ من يحلم بالنجاح. كانت باختصار هوليوود العرب. لا اعتراف بفنّان عربي إذا لم يصنع مجده في القاهرة. هناك استثناءات قليلة في لبنان والعراق، حيث كانت فيروز صناعة لبنانية خالصة بفضل عبقرية الرحابنة. يمكن ايضا الحديث عن فنانين عراقيين مثل ناظم الغزالي لم يحتاجوا إلى القاهرة. لكنّ القاهرة بقيت فترة طويلة المكان الذي من دونه لا فنّ ولا غناء ولا رقص عربيا.

ما صنع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وآلاف الفنانين والمطربين والممثلين والملحنين كان القاهرة، التي انجبت ايضا عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة ومحمّد عبد المطّلب ورياض السنباطي وكثيرين غيرهم وقبل ذلك سيّد درويش. احتاجت وردة الجزائرية إلى القاهرة لتثبت أنّها مطربة عربية كبيرة.

كانت القاهرة عاصمة العالم العربي. ذهبت اليها صباح باكرا وخرجت منها باكرا بعدما بدأ الريف يجتاح المدينة شيئا فشيئا مع سقوط القاهرة الكوزموبوليتية ومعها الإسكندرية والإسماعيلية في العام .

من حسن الحظ أنّه كانت هناك بيروت التي بدأت بدورها تزدهر من منطلق انها مدينة عالمية ايضا. في بيروت بقيت صباح تلمع. ولكن في نهاية المطاف، لم يكن هناك ما يعوّض عن القاهرة التي جعلت منها نجمة سينمائية ايضا. كان في امكان القاهرة اجتراح المعجزات. لم تكن صباح نجمة سينمائية لولا القاهرة، علما أنّها كانت مطربة تمتلك صوتا خارقا لا يختلف اثنان في شأنه.

لم يكن افول نجم القاهرة، افولا لنجم العاصمة المصرية ومعها مصر فقط. كان افولها أفولا لنجم المدن العربية الأخرى. من دون القاهرة، لم تعد بيروت قادرة على الصمود في وجه الهجمة الهمجية التي تعرّضت لها ابتداء من . كانت هناك حاجة إلى معجزة لإنقاذ ما يمكن انقاذه من بيروت. من دون القاهرة لم يعد من وجود لدمشق وبغداد. ففي سوريا والعراق، تولّى حزب البعث ترييف المدينة عن طريق الذين اتى بهم حافظ الأسد للإستيطان في دمشق، هو الذي كان يكره أهل المدن السنيّة الكبيرة بكل ما يمثلونه.

كان حافظ الأسد يكره كلّ ما له علاقة بالبورجوازية الآتية من مذاهب وطوائف متنوّعة والتي صنعت اصلا مجد دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية والقاهرة والإسكندرية والإسماعيلية ومدن القناة.

وفي العراق، وضع صدّام حسين الأسس لعملية ترييف احدى أكثر المدن العربية عراقة عندما لم يدرك أن على الريفي الآتي إلى المدينة التعلم من عاداتها ومن تسامحها وثقافتها بدل فرض قيمه على أهلها.

مع وصول البعث إلى السلطة في العراق، ومع سقوط النظام الملكي قبل ذلك في العام ، لم تعد بغداد بغداد ولم تعد البصرة المكان الذي يأتي اليه الخليجيون للإستمتاع ببعض ما هو حضاري في هذا العالم.

تعتبر صباح، نموذجا للفنان العربي الذي صنعته المدن العربية. كانت نتاج القاهرة قبل بيروت، لكنّها كانت موجودة في دمشق وبغداد والكويت وعمّان. وصلت إلى الرباط ثمّ إلى باريس ولندن ونيويورك وسيدني.

أكّدت بيروت، بعد كلّ ما تعرّضت له العاصمة المصرية من ظلم، أن لبنان كان قادرا، قبل أن يصبح ضحية ممارسات النظام السوري والوجود الفلسطيني المسلّح ثمّ الميليشيا المذهبية المعروفة، على تعويض بعض ما تعنيه القاهرة القديمة خصوصا ومصر عموما.

ليس الغياب العربي عن بيروت في هذه الأيّام سوى تعبير عن الرغبة في خنق المدينة العربية الوحيدة التي لا تزال قادرة على صنع نجوم، حتّى لو كان هؤلاء من المنتمين إلى الفنّ الهابط.

على الرغم من كلّ ما تتعرّض له بيروت، لا تزال المدينة تقاوم. تقاوم بفضل من اعاد بناءها ومن سعى إلى مساعدة صباح، قدر الإمكان، في وقت تخلّى عنها كثيرون.

ليست صباح بحياتها المديدة سوى شاهد على ما حلّ بالمدن العربية. كانت، في مرحلة من المراحل، معزّزة مكرّمة في كلّ مدينة عربية. لو كانت صباح لا تزال في شبابها الآن، لم تكن لتجد مكانا تقيم فيه سوى بيروت. بين كلّ المدن في منطقة المشرق العربي، وحدها بيروت ما زالت تقاوم. رحم الله من جعلها قادرة على المقاومة. رحم الله من مكّنها من الصمود بعدما اعاد بناء وسطها المدمّر. رحم الله، وحفظ ابناء، من ساعد صباح على الصمود ايضا وعلى ان تمتلك ما يقيها الذلّ عندما تقدّم بها العمر. كان اللبناني في الماضي يذهب إلى القاهرة والإسكندرية والى مصر عموما هربا من الظلم والفقر.

هذا ما فعلته صباح وهذا ما فعلته مئات، بل آلاف العائلات اللبنانية التي اقامت في الإسكندرية والإسماعيلية والسويس وحلوان والمنصورة. كانت مصر ملجأ للبنانيين. كانت القاهرة تفرّق بين الفنّان وغير الفنان، بين المطرب وغير المطرب، بين الممثّل وغير الممثّل. كانت تصنع حتّى الكتاب والصحافيين قبل أن يأتي زمن جريدة القارئ الواحد، أي الجريدة التي ليس مطلوبا سوى أن تعجب «الريس» لدى استفاقته من النوم.

عاشت صباح بين مدينتين. عاشت بين القاهرة وبيروت. قصتها تختزل مأساة المدينتين. تختزل ما تعرّضت له القاهرة وما لا تزال بيروت تتعرّض له من القوى الظلامية. لكنّ صباح تختزل ايضا ما حلّ بالمدن العربية الأخرى في مصر والمشرق العربي. من يصدّق ان بعلبك، بكلّ ما تمتلكه من تراث وامكانات وكنوز وآثار، زالت عن الخريطة الحضارية والسياحية والثقافية للمنطقة؟

* نقلا عن" المستقبل" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.