أردوغان من اللغة العثمانية إلى (؟) الطربوش

داريوس الدرويش

نشر في: آخر تحديث:

كما لم يتوقّع الكثيرون أن يستخدم بشار الأسد السلاح الكيماوي في الغوطة (لما سيفضحه ذلك من انحطاط أخلاقي للنظام وللمجتمع الدولي)، فإنهم لم يتوقّعوا أيضاً أن تكون هناك، في هذا العصر، حوافز امبراطوريّة - دينيّة لدى دولة علمانيّة وديموقراطيّة كتركيا. إلا أنّ مواقف أخرى في السياسة الداخليّة تدفع بالخيال إلى أقصاه. ولعلّ أشدّ هذه السياسات صدماً للمعقول القرار الأخير حول تدريس اللغة العثمانيّة في المدارس التركيّة.
إدراج اللغة العثمانيّة في المناهج المدرسيّة (إلزامي في المدارس الشرعيّة واختياري في المدارس الأخرى) صعّد الكثير من انتقادات المعارضة القوميّة واليساريّة والكرديّة، حتّى أنّ الأمر تفاقم في شكل أكثر حدّة بين أردوغان ومعارضيه، بخاصّة بعدما صرّح الأوّل بأنّ هذا القرار سيُطبّق «شاء من شاء وأبى من أبى». فإصدار هكذا قرار أولاً والتمسّك به إلى هذه الدرجة ثانياً يجعلان العديد من التساؤلات تنبع من تلقاء نفسها، وأهمّها: لماذا؟
فتعليم الطلاب أينما كان لغات أخرى في المدارس يتركّز على اللغات الحيّة التي يستطيع الطالب من خلالها التواصل مع آخرين يتكلّمون بها، أمّا اللغات الميّتة فيتمّ تدريسها عادة فقط في فروع من الجامعات تكون متخصّصة في هذا المجال، ككليّات الآثار والتاريخ واللغات بهدف دراسة نتاج الحضارات السابقة. فتعليم الإسبانيّة في مدارس أميركا مثلاً لا يشبه تعليم الإنكليزيّة القديمة (لغة شكسبير) في مدارس بريطانيا، إذ الأولى لغة يتكلّمها قسم من الشعب الأميركي، كما أنّها لغة دول الجوار، وبالتالي فتعليمها للطلاب يساهم في كسبهم المهارات الأساسيّة التي يمكن تطويرها ذاتيّاً لاحقاً، وبالتالي الحصول على فرص أكبر للعمل، إضافة إلى مساهمته في زيادة التواصل بين أفراد الشعب الأميركي نفسه. أمّا في حالة الإنكليزيّة القديمة، فلن تستفيد منها أيّ نسبة ملموسة من الطلاب غير المتخصّصين، ولن يكون إقحامها في المناهج سوى موقف يدلّ على نزعة تعصبيّة شوفينية لدى أصحاب هكذا قرار.
وهذا الأمر يشبه مسألة احياء اللغة العثمانيّة في تركيا. فهي الجذر الأساسي للّغة التركيّة الحديثة (ما يعني أنّها مستمرّة وليست ميّتة مثل العبريّة قبل نشوء إسرائيل)، لذا فإنّ إدخال العثمانيّة عـلى المناهج المدرسيّة تطرّف في استدعاء الماضي، تطرّف يتجاوز حتّى ذلك النوع الذي كان موسوليني يعممه عن عظمة الامبراطوريّة الرومانيّة مما ساهم في نشأة الفاشيّة.
كذلك فالإصرار على تنفيذ هذا القرار، على رغم ما يواجهه من معارضة شديدة، يطرح أسئلة كثيرة أخرى: لماذا لا يخوض أردوغان من أجل اللغة الكرديّة أي صراع، ولو أقلّ من هذا، مع المعارضة التي يحمّلها مسؤولية عرقلة عمليّة السلام، ويُصرّ على خوض الصراع من أجل اللغة العثمانيّة فقط؟ وماذا تعني له اللغة العثمانيّة حتّى يدافع عنها إلى هذا الحد، على رغم وجود أولويّات «وطنيّة» أخرى لديه؟
المؤكد أنّ هذه اللغة تعني له الكثير، وأنّ هذا الاهتمام لا علاقة لا بتعزيز الهويّة القوميّة - الإثنيّة (فهي فائضة الإشباع) ولا الهويّة الوطنيّة (العثمانيّة ليست لغة وطنيّة محكيّة). إنه يتعلّق، في ما يبدو، بهويّة عثمانيّة - إمبراطوريّة يرغب في بعثها من جديد. وهذا الشكل الفجّ والمتعصّب وغير المنطقي في هذه الاستعادة يدلّ على مدى حيويّة هذه الهويّة بالنسبة الى أردوغان، على عكس اللغة الكرديّة لديه والتي لا يتعامل معها (على رغم تطوّر موقـفه عن مواقف الحكومات التي سبقته) إلا من خلال المساومة السياسيّة، والتي تعني (حين يكون الموضوع حول اللغة) أنّ المسألة الكرديّة في تركيا شأن خارجي تحكمه القوّة والمصالح وليس وطنيّاً تحكمه المبادئ. فالهويّة الأولى هي هويّته الجوهريّة التي لا يقبل التنازل عنها، أمّا الثانية فهويّة الآخر التي يفترض إخضاعها في شكلٍ ما.
والحال أن مفهوم استعادة السلطنة العثمانيّة عند أردوغان لا يقف عند المسائل العامة الكبرى كالحدود والأيديولوجيا، بل إنّ الفشل في تحقيقهما، حتّى الآن على الأقل، يجد تعويضه «الناجح» في جوانب أخرى رمزيّة وبروتوكوليّة (كتطبيق القانون بنفسه في الشارع، وبناء القصر الرئاسي الضخم، واللغة العثمانيّة). وهذا الفشل في حال استمراره قد يؤدّي بأردوغان مستقبلاً إلى استعادة ما يمكنه من رموز أخرى للسلطنة، وربّما هذه المرّة استعيد لبس الطربوش!

*داريوس الدرويش، كاتب كردي سوري

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.