حكاية مريم

درية شرف الدين

نشر في: آخر تحديث:

هل هو لغز غير قابل للحل إلى هذه الدرجة؟ طالبة متفوقة على مدار سنوات تعليمها وحاصلة على درجات تقترب من الدرجات النهائية حتى السنة الثانية الثانوية ومعها شهادات تقدير مختومة بخاتم المدرسة وممهورة بتوقيع مديرها وفجأة وفى الثانوية العامة تحصل على صفر وصفر فقط. كيف؟ لم تتدهور درجاتها فتحصل على نصف ما كانت تحققه قبل ذلك مثلا فنقول إن حالتها الدراسية أو الصحية أو النفسية حالت بينها وبين التفوق الذى كانت تسعى إليه كى تلتحق بأمنيتها وهى كلية الطب، لم ترسب مثلا لنقول عين وصابتها بل بكل غرابة حصلت على لا شىء، على صفر، الصفر نفسه يحتاج إلى تحليل، يحتاج لمحاولة فهم، يحتاج لتفسير. كيف يمكن لطالبة مثلها أن تدخل امتحانا لتنقل فقط أوراق الأسئلة إلى أوراق الإجابة، تُذاكر خمس عشرة ساعة يوميا طوال السنة الدراسية استعدادا للامتحان تهمل الإجابة بالكامل وتكرس وقتها لنقل الأسئلة إلى أوراق الإجابة، ولم يتم ذلك فى يوم فقط أو اثنين، فى مادة أو أكثر، بل فى كل المواد. من يصدق ذلك؟ وإذا صدقنا كان علينا أن نحول مريم إلى مستشفى الأمراض العقلية وليس إلى النيابة أو إلى الطب الشرعى.

لا أستطيع أن أنسى أو أتجاهل دموع هذه الفتاة الصغيرة المظلومة ويدها التى تحمل آثار تغذيتها بالمحاليل بعد تدهور صحتها وامتناعها عن الطعام إحساسا بالظلم، وأى ظلم هذا الذى يمكن أن يحتمله قلب هذه الصغيرة وهى ضائعة بين جهات عدّة، تمضى الأيام وتتوالى وتُعلن نتائج التنسيق للكليات وهى مازالت تُستكتب وتُستكتب أمام خبير الخطوط بمقر الطب الشرعى لإثبات أو نفى انتماء أوراق الإجابة إليها، تؤكد أن الخط ليس خطها وأن أوراق الإجابة كلها بخط آخر وأن غيرها ربما تعمّد تقليد خطها ــ وهذا منطقى ــ لكن أوراق الإجابة هذه لا تخصها.

أحاول أن أبحث عن حل معها ومن أجلها: ماذا لو تم مراجعة أوراق الإجابة فى امتحان الثانوية العامة فى مدارس محافظة المنيا لهذه السنة أو كنترول أسيوط التابعة له ربما وجدنا أوراقا تحمل خط مريم الحقيقى، مجرد ورقة إجابة واحدة فى مادة واحدة ستستدعى بقية الأوراق فى بقية المواد، يمكننا أن نراجع أوراق من حصلوا على أكثر من تسعين فى المائة فقط باعتبارها طالبة متفوقة، أتساءل: هل يمكن اختبارها من جديد، وأتراجع وبأى نفس أو قدرة ستجيب وهى فى هذه الحالة النفسية والصحية المتردّية، أستمر فى الحيرة، السنة الجامعية الجديدة على الأبواب والطلبة يوزعون على الكليات فإلى أين ستذهب مريم ومتى ستنتهى جهات التحقيق من عملها فالوقت محدود والظلم شديد الوطأة على النفس.

هذه هى حكاية مريم، ويُقال إن مروة من كفر الشيخ حصلت على صفر هى الأخرى وأقام والدها دعوى أمام محكمة القضاء الإدارى هناك. منظومة التعليم فى مصر، إن كانت هناك منظومة أصلاً، إلى أين ستجرفنا أبعد من ذلك؟

نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.