عاجل

البث المباشر

لماذا نحتاج استراتيجية؟!

الإجابة البسيطة على السؤال المطروح فى العنوان، هو أننا نحتاج إلى قدر هائل من الوضوح بحيث يختفى تماما ذلك السؤال الغامض عن مصر.. أين؟ وإلى أين؟ والذى إذا سألت فيه المذيعة القديرة عن انتخابات مجلس النواب الأخيرة، تكون الإجابة المطولة فيه عن «الحرب الباردة» وما جرى فيها؛ فإذا كان هناك إصرار على السؤال كانت الإجابة أن كل الأمور مترابطة لأنه لا توجد إجابة على الإطلاق!.. بالطبع فإن السؤال التقليدى للمصريين والذين يتعذبون فى سؤاله للمثقفين والإعلاميين وأصحاب الرأى والسلطة هو إلى أين تذهب مصر؛ وبالبلدى «هى مصر رايحة على فين؟». السائل فى العادة لديه إجابة ما، غالبا ما تكون سلبية، أو حائرة وكفى. المسألة ببساطة تحتاج وضع الأمور كلها فى منظومة، أو استراتيجية، قد تصدر فى شكل بيان من رئيس الجمهورية، أو أن تكون محور خطابه فى افتتاح مجلس النواب الذى أتمنى أن يكون مكتوبا لأن الخطاب وثيقة. وبالمناسبة، وحتى لا نفتقد عفوية الرئيس فإن هناك وسائل تكنولوجية تجعله يقرأ نصا وبعفوية وتلقائية فى نفس الوقت.

على أى الأحوال علينا أن نستبعد الشكل جانبا، ونركز على المضمون الذى هو فى حقيقته روايتان عن مصر: واحدة سعيدة تعرض لمشروع قناة السويس من أول الفرع الجديد وحتى الفرع الأكثر جدة فى بورسعيد مع المشاريع المكملة. ومع هذا يوجد مشروع رخام سيناء، ومشروعات القلعة الصناعية والتعدينية فى العين السخنة، وشبكة الطرق الكبرى، وبداية مشروع المليون ونصف فدان من الفرافرة، والتلميح عن مشروع فى النوبة بعد مشروع كبير فى سيناء. وهكذا القائمة طويلة، وفى المقدمة منها توجد الاتفاقات مع المؤسسات المالية الدولية (وهذه شهادة ثقة)، ومع المملكة العربية السعودية (وهذه شهادة وجود ظهير عربى)، وتراجع واضح فى الإرهاب سواء فى عمليات الاحتجاج وتعطيل الحياة، أو فى الهجمات العسكرية فى سيناء، وفوق ذلك إجراء انتخابات مجلس النواب والتحضير لتحقيق الهدف القديم الذى لم يتحقق أبدا وهو إقامة حياة ديمقراطية سليمة.

هناك ما هو أكثر ولكن المساحة لا تسمح، وهناك أيضا الرواية التعيسة التى لن تقل طولا. ويكفى أن تنظر إلى عجز الموازنة العامة وحجم الدين العام الداخلى والخارجى بما فيه من مشروعات قومية عملاقة وتسليح القوات المسلحة تسليحا راقيا حتى تصاب بصدمة كبيرة من هول الأرقام والأموال التى لا تعلم تحديدا من أين سوف تأتى. ولكن الصدمة سوف تقود إلى إغماء ساعة صدور التصريح الرسمى بأن نسبة الفقر فى مصر بلغت ٢٩٪ من السكان بعد أن كانت ٢٦٪. وبالطبع فإن المتشائمين المصريين كثيرا ما يرفعون رقم الفقر إلى ٤٠٪، والأكثر تشاؤما أخذوه إلى ٧٠٪. بالطبع فإن معدلات البطالة والتضخم وباقى المؤشرات المعروفة عن الاستثمار الأجنبى والسياحة لا تسر عدوا ولا حبيبا. ولدى جماعة منا فإنه طالما بقيت القمامة على حالها، والمرور على حاله فإن شيئا لم يتغير فى هذا البلد؛ ولدى جماعة أخرى فإن أرقام «هيومان رايتس واتش» عن الاختفاء القسرى، والمحاكمات الكثيرة منذ العهد السابق الذى لحقته عهود سابقة أيضا، وحظر السفر، والمنع من التصرف، والقائمة بعد ذلك طويلة وكلها تجعل الأمر كله غارقا فى المرارة وهى فى النهاية الحقيقة بعينها.

الرواية السعيدة، والأخرى التعيسة، تحتسب حسب أعين الناظرين، ولكنها تعكس طبيعة المرحلة التى تأتى بعد ثورتين، وربما حالة من انعدام الوزن أو mentDisillusion التى يشعر فيها الناس بأنهم فقدوا القدرة على السيطرة على أقدارهم فترتفع معنوياتهم إلى السماء السابعة تارة، وتنخفض إلى هوة عميقة تارة أخرى. الإستراتيجية التى ندعو لها تهدف إلى استعادة المصريين السيطرة على أقدارهم، بل إن ذلك شرط ضرورى لكى تتغلب الرواية الأولى حيث الآمال العظمى على الثانية حيث اليأس المقيم. ولحسن الحظ أننا نعيش فى عصر المعلومات، وأدواتها الكثيرة، التى تصل إلى المواطنين على كافة شرائحهم الاجتماعية، وفى مقال سابق تصورت ثلاثة أهداف إستراتيجية عظمى نسعى إليها: السعى إلى تقدم مصر، والحفاظ على التوازن المالى والاقتصادى لها، ورفع مستويات المعيشة للمصريين.

تحقيق هذه الأهداف ليس مستحيلا إذا ما توافرت الإرادة، والقدرة على الإدارة ضمن أولويات واضحة وجلية للحكام والمحكومين معا. ورغم ما يبدو من إرهاق وإنهاك للدولة فإن الناتج المحلى الإجمالى لمصر يقترب من التريليون دولار مقوما بالقدرة الشرائية للدولار وتحديدا ٩٨٧.٨٩٦ مليار، مما يجعل متوسط دخل الفرد قرابة ١١.١٩٤ دولارا؛ ورغم الشكوى المرة من سوء توزيع الدخل فى مصر فإنها أحسن حالا من الهند والولايات المتحدة وتركيا والصين وجنوب أفريقيا والبرازيل. المهم أن نعرف كيف نحدد الأولويات التى ترفع معدلات النمو، ونحافظ على التوازن فلا يصح محاباة الأجيال الحالية على حساب الأجيال القادمة، وأن نرفع مستويات المعيشة من خلال إدارة المصريين لحياتهم واقتصادهم وليس عن طريق الدولة التى تقرر لهم.

وسائل الوصول إلى هذه الأهداف هى جوهر الإستراتيجية، لأنها هى التى سوف تحقق التكامل بين المديات القصيرة والمتوسطة والطويلة الأجل؛ وهى التى سوف تحدد تلك الخلطة الواجبة بين «المشروعات العملاقة» و«تحرير الاقتصاد» وتعبئة الموارد خاصة تلك التى تشكل ما يسمى «رأس المال» الميت أى غير المستخدم والمعطل، وتدخل فيه الأراضى والشواطئ والجزر والمصانع التى لا تعمل أو تعمل بأقل من كفاءتها، وكذلك الحال مع المزارع. وللمرة الألف فإن القطاع غير الرسمى فى مصر يمتلك من الأصول ما يساوى ٣٦٠ مليار دولار، تولد ١٢٠ مليار دولار مضافة سنويا للناتج المحلى؛ وإذا ما تم حساب ذلك مقاسا بالقوة الشرائية للدولار فإننا نتحدث عن قرابة نصف تريليون إضافية للثروة المصرية.

كيف نضع ذلك كله ضمن إستراتيجية قومية هى مهمة القيادة السياسية وخاصة رئاسة الجمهورية، وما على الوزارة بعد ذلك إلا أن تضع برنامجا تنفيذيا لها أو ما يسمى خطة للعمل تراعى التوزيع الجغرافى والطبقى. نعلم هنا أن الاقتصاد ليس وحده هو المهمة، ولكنه حجر الزاوية التى تشكل الطلب على التعليم والمهارات المطلوبة، والصحة واحتياجاتها، والفنون اللازمة لخيال التطوير. ونعلم أيضا أن استراتيجية تنمية مصر لا تجرى فى فراغ فكرى وإنما هناك معارك حقيقية ضد الإرهاب. وإذا كان على الدولة أن تقاوم الإرهابيين فى الداخل والخارج أيضا، فإن مهمة مقاومة الإرهاب هى مسؤولية مشتركة مع المثقفين وجماعات الرأى فى البلاد. ومن الواجب أن يتشارك الجميع: دولة ومثقفين وجمعيات أهلية، فى استعادة العقل المصرى مرة أخرى إلى مكانه الصحيح فيتخلص من الخرافة، والتفكير التآمرى، والأهم الكثير من العادات والتقاليد التى نشرها الإخوان والسلفيون فى المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية والهيئات العامة منذ بداية السبعينيات من القرن الماضى.

الموضوع سوف يحتاج عودة خاصة مرة أخرى، لأن «السلوك الإرهابى» لا يقوم فقط على القتل والتدمير، وإنما يقوم على نزع العقلانية عن البشر، وتحويلهم إلى «بيانات سياسية» تمهد الطريق للقاعدة وداعش وما شابههما. والحقيقة أنه لن تكون هناك نهضة فى البلاد، أو قدرة على تحقيق الأهداف المشار إليها، ما لم يستعد المصرى عقله المغيب. وإذا كان توفيق الحكيم قد كتب «عودة الوعى» لكى يخلص المصريين من الغيبوبة الناصرية، فإن الرئيس السيسى ومعاونيه عليهم وضع الإستراتيجية التى تعيد الوعى المصرى مرة أخرى من «الغيبوبة السلفية» إلى حيث تكون فكرة التقدم والرقى واللحاق بالعصر جزءا أساسيا من الكيان المصرى.

هذه العناصر المختلفة للاستراتيجية هى ما نحتاجه، وهى التى سوف تمنع البلبلة، وترسم خريطة للطريق، وفوق ذلك تحدد لكل مصرى موقعه من الخريطة، وما عليه أن يفعله حتى نصل فى النهاية إلى بلد نفخر به كما يفخر بنا، وساعتها سوف ينقشع الضباب، وتظهر الحقائق واضحة وضوح شمس نهار صيف كما يقال.

*نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات