إيران خططت وأخطأت ولا يجب جرنا لـ«حرب طائفية»

عمار علي حسن

نشر في: آخر تحديث:

هل أصبحنا على شفا الكارثة التى بدت نذرها قبل سنين بحرب طائفية بين السنة والشيعة؟.. إنه الخطأ الجسيم الذى حوّل العلاقة مع إيران من إمكانية قيام «تفاعل خلاق» إلى الدخول فى «صراع مفتوح»، وخطأ العرب فى إضعاف مدرسة «النجف» لحساب «قم» مما أعطى إيران فرصة للتغلغل فى صفوف الشيعة العرب، وخطأ السياسات فى تأخر ميلاد «التكامل الوطنى» الطوعى على أساس الوطنية والمواطنة والمساواة والديمقراطية وإقامة الدولة المدنية الحديثة، جوهرا لا مظهرا، ومضمونا لا شكلا.

لنبدأ بالخطأ الإيرانى، فطهران انتهكت فى أزمتها مع المملكة العربية السعودية القوانين والأعراف الدولية مرتين، الأولى حين تركت السلطات سفارة السعودية وقنصليتها بإيران تحرقان على مسمع ومرأى من قوات الأمن، وقبلها حين تصرفت طهران وكأنها الزعيم الأممى للطائفة الشيعية فى العالم بأسره، وأن من حقها أن تتدخل فى شؤون الدول دفاعا عن هذه الطائفة، فى كل الأوقات وكل المواقف، وبأى صيغة، حتى لو كانت جانحة وجارحة، وحتى لو أدى الأمر إلى اندلاع حرب مذهبية بين المسلمين، لا قدر الله، ليس لها أى فائدة ترجى لإيران والعرب، ولن يكون فيها رابح ولا خاسر، وستصب فى نهاية المطاف فى صالح كل من لا يريد بالأمتين العربية والإسلامية خيرا.

إن مبنى سفارة أو قنصلية أى دولة هو جزء من ترابها الوطنى، هكذا ينص القانون الدولى ويقر، وبالتالى فإن ما أقدم عليه جمهور إيرانى غاضب أو مُحرض، وتواطأت معه الحكومة هناك، هو بمنزلة الاعتداء على جزء من أرض السعودية، ولذا لم يكن أمام الرياض من خيار سوى الإقدام على خطوة قطع العلاقات مع طهران، بعد أن ثبت للسلطات السعودية أن نظيرتها الإيرانية لم تبذل أى جهد فى سبيل منع هذا الاعتداء، بل على العكس تماما، وجدت أدلة تشير إلى أن السلطات الإيرانية ربما حرضت أو خططت للاعتداء، أو على الأقل تواطأت معه، وهى مسألة ظهرت ثلاثة أدلة عليها، أولها: صور لا تكذب تبين أن قوات الأمن الإيرانية كانت تتفرج، بل تساعد، فى العدوان، ولا يمكن لعاقل أن يصدق الرواية الإيرانية التى تحدثت عن أن حادث الحريق هذا قامت به جماهير غاضبة، ولم يكن بوسع السلطات أن تمنعها مما أقدمت عليه. وثانيها قيام الحكومة الإيرانية بقطع الكهرباء عن الحى الذى يقطنه دبلوماسيون سعوديون، وكأنهم يقولون لهم: ارحلوا من بلدنا، وثالثها إطلاق إيران اسم نمر النمر، الذى أعدم مع 46 شخصا سنيا من التنظيمات المتطرفة والإرهابية، على شارعين قبالة السفارة السعودية فى طهران والقنصلية فى مشهد، دون أن تذكر إيران ولو مرة اعتراضا على إعدام هؤلاء، وكل ما شغلها هو الرجل الشيعى، الذى تصرفت وكأنه من رعايا الدولة الإيرانية، ونسيت أنها أعدمت العام الفائت فقط العشرات من المواطنين الإيرانيين العرب والسنة، ولم تعترض دولة عربية واحدة، بشكل رسمى، ولم تخرج مظاهرات فى عواصم عربية لحرق سفارات إيران ومكاتب رعاية مصالحها.

لكل هذا كان من الطبيعى أن يدين مجلس الأمن الدولى حادث حرق السفارة والقنصلية، ويطالب إيران بــ«حماية المنشآت الدبلوماسية والقنصلية وطواقمها، والاحترام الكلى لالتزاماتها الدولية فى هذا الخصوص، ووفق اتفاقيات فيينا التى تلزم الدول بحماية البعثات الدبلوماسية». فالمجلس يدرك تماما أن ما جرى فى إيران أمر جلل، ولا يمكن السكوت عليه، وأنه لا بد من تنبيه إيران وتذكيرها بأنها ملزمة بحماية ما على أراضيها من بعثات دبلوماسية، سواء الدبلوماسيون أنفسهم أو المبانى والمنشآت.

وليس من المتصور أن تكون إيران جاهلة بالقوانين التى تحكم العلاقات الدبلوماسية بين الدول، لكنها وجدت فى واقعة إعدام النمر فرصة سانحة كى تقدم على خطوات انتقامية على خلفية التنافس الحاد والصراع السياسى الذى يدور معها فى العراق، والحرب الأهلية فى سوريا، والحرب النظامية فى اليمن، وكلها بؤر عربية ملتهبة زادها التدخل الإيرانى التهابا، وهو تدخل ينبع من غريزة توسعية على حساب بلدان ودول عربية مستقلة، عبر عنها أحد أرفع المسؤولين الإيرانيين بحديث مستفز عن هيمنة إيرانية على أربع عواصم عربية هى بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت.

لقد حث مجلس الأمن الدولة السعودية وإيران على «اعتماد الحوار واتخاذ إجراءات لتقليل التوتر فى المنطقة»، فهل إيران فاعلة؟ وهل تعلمت الدرس جيدا من هذه الواقعة؟ وهل أدركت أنها قد انكشفت أمام العالم كله بأنها تستغل قضية «الشيعة العرب» فى تفجير الأوضاع فى دول عربية فى وقت تضطهد فيه العرب داخل إيران من السنة والشيعة معا؟ وفى المقابل: هل أدركت الدول العربية أنها معنية الآن أكثر من أى وقت مضى بحرمان إيران من تلك الذريعة، عبر طرح أفكار واتخاذ إجراءات تعلى من قيمة المواطنة؟ أتمنى أن تكون الإجابة هى «نعم»، ففى هذا طريق السلامة.

إننا لا نحتاج إلى كثير جهد كى نبرهن على أن «التشيع» لبس لبوسا سياسيا، لاسيما بعد أن سيطر الملالى على الحكم فى إيران، وهو ما وضحه الكاتب الشيعى العراقى «أحمد الكاتب» فى كتابه المهم «التشيع السياسى والتشيع الدينى»، وفى المقابل فإن الجماعات والتنظيمات السنية المتطرفة حولت الإسلام من عقيدة دينية تقوم على «الفطرة» و«الرحمة» و«التوحيد» إلى أيديولوجيا تبرر الكراهية والعنف والتخريب والقتل. وبذا فإن المشروع القومى للدولة الإيرانية، يتوسل بالمذهب، بغية تحقيق أهداف سياسية، وقد يتحقق هذا إن اشتعلت فى المنطقة حرب طائفية بين السنة والشيعة، سينتعش على إثرها المتشددون والمتطرفون والإرهابيون من الطرفين فيكون القتل على الهوية الدينية، التى بدروها ستتشظى، فيفرط المتعصبون فى القتل والتدمير، على أنقاض أمم ودول.

إن هذا وقت العقلاء فى كل البلدان العربية وفى صفوف المثقفين العلمانيين الإيرانيين كى يفوتوا الفرصة على من يخطط لتلك الحرب فى طهران أو من يستعملها لتدفعنا فى هذا الطريق، ويستدعى التاريخ الدموى إلى قلب الحاضر وينثر ناره على المستقبل، ويريد أن يرفع رايات طائفية بغية تحصيل غايات سياسية، يظن أنها له، لكنها ستأتى إلى المنطقة كلها بخراب مقيم، سيحقق فى نهاية المطاف أغراض التفكيك والتفتيت والفوضى والحرب الطويلة والتشريد والتهجير والإحن التى لن يمحوها الزمن القادم، وستجعل أعداء العرب والمسلمين، دولا وشعوبا، يمسكون برقابنا جميعا، وسيجعل هذا كله إسرائيل تمرح وترمح وحيدة فى الشرق الأوسط كله.

*نقلا عن صحيفة "المصري اليوم".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.