المملكة العربية السعودية والفصام الإيراني

أمير طاهري

نشر في: آخر تحديث:

يُصاب بحيرة بالغة كل من تابع وسائل الإعلام الإيرانية في أعقاب القرار السعودي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران. ففي حين أن كل وسائل الإعلام الإيرانية ألقت باللائمة على الجانب السعودي في اندلاع الأزمة، فإن هناك تباينات كبيرة في سرد الأحداث وتقدير تأثيرها على الواقع.
بعض الصحف، مثل صحيفة «كيهان»، والمعروفة بأنها لسان حال المرشد الإيراني علي خامنئي، ووكالة أنباء «فارس»، الخاضعة تمامًا لسيطرة الحرس الثوري الإيراني، قد رحبت، في واقع الأمر، بالقرار السعودي الذي تعتقد أنه يزيح من الطريق آخر حجر عثرة في طريق الانطلاق بكامل القوة ضد السعودية.
أما وسائل الإعلام الأخرى، على غرار صحيفة «الشرق» الإيرانية اليومية، وثيقة الصلة بالفصيل الذي يقوده الرئيس السابق آية الله هاشمي رفسنجاني، فقد أعربت عن أسفها لقطع العلاقات الدبلوماسية، وكانت قاب قوسين أو أدنى من توجيه الانتقادات إلى الغوغاء الذين هاجموا مبنى السفارة السعودية في طهران والقنصلية السعودية في مشهد.
وفي حين أن الحاشية المقربة من الرئيس حسن روحاني قد انتهجت مسار المراوغة، من إيفاد مسؤولين من المستويات الدنيا بوزارة الخارجية الإيرانية للإدلاء ببعض التصريحات، فإن كبار الملالي والقادة العسكريين استغلوا الأزمة الراهنة في شن الهجمات اللفظية على السعودية وخمس دول إسلامية أخرى من التي قطعت العلاقات الدبلوماسية أو خفضت من مستوياتها مع طهران.
ومرة أخرى، تسلط الأزمة الأخيرة الضوء على حالة الفصام الشديدة التي تعتري النخبة الحاكمة في إيران منذ أن استولى الملالي على مقاليد السلطة في البلاد عام 1979. والآن، لدينا نسختان من إيران؛ إحداهما ترى نفسها قاطرة الثورة الخمينية، في حين تأمل الأخرى في العودة إلى المجتمع الدولي كدولة قومية ذات احترام.
بالنسبة لإيران الأولى، فإن الهجوم على السفارات الأجنبية يعتبر من الأعمال البطولية الهادفة إلى «حشد وإثارة الجماهير الثورية». وفي الحقيقة، سيطر الخميني على الثورة الإيرانية «فعليا» في يوم 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، عندما اندفع المسلحون واحتلوا مبنى السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا الدبلوماسيين الأميركيين كرهائن لمدة 444 يومًا. ثم تحول ذلك اليوم إلى أحد أهم الأيام في تاريخ النظام الخميني بعدئذ، وبات مميزًا من قبل الاحتفاليات التي تنظمها الحكومة الإيرانية مع رجال الدين الذين يشهدون مراسم حرق العلم الأميركي ودمى للرئيس الأميركي. ثم أصبح الهجوم على البعثات الدبلوماسية الأسلوب المفضل لدى النظام الإيراني الحاكم عندما قرر الرئيس الأميركي جيمي كارتر ابتلاع الإهانة الموجهة ومحاولة استرضاء الملالي عبر البعث برسالة خطية إلى الخميني. ومن ثم اعتبر آيات الله أن «أميركا لا تستطيع أن تفعل شيئا!».
بعث ذلك الموقف برسالة إلى أنصار الخميني، تنبئهم بإمكانية تجاهل القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقيات فيينا بشأن البعثات الدبلوماسية، والهجوم على، ونهب، واحتلال أي سفارة أو قنصلية تروق لهم. وانغمسوا في تنفيذ تلك التكتيكات في العديد من المناسبات. وكسرت الجمهورية الإسلامية الرقم القياسي العالمي في عدد النزاعات الدبلوماسية. ومنذ عام 1979، لم يمر يوم من دون احتجاز ملالي إيران لبعض الرهائن الأجانب، وأغلبهم من المواطنين الأميركيين. وحتى الآن، لا تزال إيران تحتجز ستة من مواطني الولايات المتحدة في سجونها.
خلال العقود الثلاثة الأولى منذ اندلاع الثورة الإيرانية، عانت الجمهورية الإسلامية من قطع العلاقات الدبلوماسية مع 17 دولة حول العالم، بما في ذلك دول إسلامية مثل مصر، وليبيا، وتونس، والمغرب، ونيجيريا. كما اجتاح المسلحون التابعون لإيران العديد من السفارات والقنصليات، ومن بينها سفارات المملكة المتحدة، وألمانيا الغربية (قبل توحيد شطريها)، وفرنسا، وإيطاليا، وكوريا الجنوبية. وعند نقطة معينة، سحبت كل دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء اليونان، سفراءها من طهران.
وفقا للقانون الدولي، فإن الهجوم على سفارة أجنبية يعتبر عملا من أعمال الحرب. ووفقا لقانون العقوبات الإيراني، المعدل في عام 1963، فإن الهجوم على البعثات الأجنبية هو من الجرائم التي يُعاقب عليها بالسجن لمدة 3 سنوات. وبموجب القانون نفسه، فإن احتجاز الرهائن يعتبر أيضًا جريمة، يُعاقب عليها بالسجن لفترة تصل إلى 15 عاما، أو بالإعدام، إذا أسفر الاحتجاز عن وفاة إحدى الرهائن.
وحتى الآن، في إيران «الفصامية»، فإن الهجوم على البعثات الأجنبية واحتجاز الرهائن من الأسباب الموجبة لتلقي المكافآت والتشريف والتكريم بالمناصب الرفيعة في الحكومة. واليوم، العديد من أعضاء حكومة حسن روحاني الحالية هم من محتجزي الرهائن السابقين، ومن بينهم وزير الدفاع، وكبير المستشارين السياسيين، والمساعد الخاص لشؤون البيئة. وبدلاً من أن يكونوا في السجن كما تنص مواد قانون العقوبات الإيراني، فإنهم يشغلون المناصب الحكومية الرفيعة.
وعبر الحملات الانتخابية المتعاقبة، بما فيها الحملة الانتخابية الجارية، شاهدنا مرشحين يتفاخرون بعمليات الهجوم على السفارات واحتجاز الرهائن التي نفذوها واعتبروها من قبيل الإنجازات العظيمة في مسيرتهم المهنية لخدمة الثورة.
ربما، ودون أن يعرفوا ذلك، ومن خلال تجاهل سيادة القانون، سواء القانون المحلي أو الدولي، فإن الخميني وخلفاءه كانوا أقرب ما يكونون شبها بـ«لينين». يشدد لينين، في كتيبه المعنون «الدولة والثورة»، على أن الثورات لا يعنيها الالتزام بالقوانين الصادرة عن الدولة أو مجموعة من الدول، ويقول عن ذلك: «تصنع الثورة قوانينها الخاصة».
ومع ذلك، وبالنظر إلى البعثات الدبلوماسية الأجنبية، فإن لينين لم يذهب إلى حيث ذهب ملالي الثورة الإيرانية. فلقد نشر تروتسكي، المفوض السوفياتي السابق للشؤون الخارجية، الوثائق السرية لوزارة الخارجية القيصرية، غير أنه لم يسمح للمسلحين البلاشفة بمهاجمة السفارات الأجنبية، فضلا عن نهبها أو احتجاز الدبلوماسيين كرهائن.
كما أن هناك اختلافًا آخر واضحًا بين لينين وملالي إيران. كان الزعيم البلشفي يريد للثورة أن تحول ذاتها إلى دولة بأسرع ما يمكن. ولقد حاول تسريع عملية التحول تلك من خلال نشر السياسة الاقتصادية الجديدة في عام 1924. ولقد نجحت الثورة الماوية الصينية لعام 1949 في تحويل ذاتها إلى دولة في عقد الثمانينات عندما أصدر «الرجل القوي» دينغ شياو بينغ نسخته من السياسة الاقتصادية اللينينية الجديدة. وفي هاتين الحالتين، ظلت الدولة التي تمخضت عن الثورتين الروسية والصينية موصومة بالاستبداد العميق والتباطؤ الشديد من حيث التقدم البشري. ومع ذلك، تصرفت كل ثورة منهما كدولة، من حيث احترام الخطوط العريضة للقانون الدولي.
أما الثورة الخمينية، على الرغم من كل شيء، فإنها لم تنجح حتى الآن في تحويل ذاتها إلى دولة. ففي مقابلة أخيرة أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية مع ويليام هيغ، وزير الخارجية البريطاني السابق، ألقى بعض الضوء على الفصام الإيراني، حيث قال إنه في عام 2011، وبعد هجوم غوغاء الخميني ونهبهم للسفارة البريطانية في طهران، اتصل به وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي للإعراب عن «أسفه الشديد»، حيث قال: «ويليام، أنا آسف حقا. إنني لا أعرف من هؤلاء القوم ولا من أرسلهم لنهب سفارة بلدكم». ربما كان صالحي صادقًا في ما يتعلق بهوية المهاجمين، لكنه يعرف من دون شك من أرسلهم.
كان الهجوم على السفارات الأجنبية في الجمهورية الإسلامية، ولا يزال، أسرع الخطوات المتخذة على المسار الوظيفي داخل المؤسسة الحاكمة. وعبر العقود الأربعة الماضية لم تتم مقاضاة أي ممن هاجموا أو نهبوا السفارات الأجنبية، ناهيكم عن معاقبة أحد جراء تلك الأعمال. ولا نُلقي باللائمة في ذلك إلا على القوى الأجنبية التي وقعت سفاراتها ضحية لتلك السلوكيات بسبب عدم إصرارها على تقديم المهاجمين إلى العدالة، أي عدالة.
دفع جيمي كارتر الأمر برمته أسفل السجادة، ثم عمد زعماء دول أخرى، سواء من أوروبا أو العالم الإسلامي، إلى تقليده في ذلك، مما يديم حالة الوهم بأنه يمكن لأنصار الخميني أن يفعلوا ما يحلو لهم دون الخوف من العقاب.
وفي الواقع، ومن خلال الإصرار على أن الهجوم على بعثاتها الدبلوماسية لا يمكن أن يمر مرور الكرام، قدمت السعودية لإيران خدمة جليلة من خلال إجبارها، مرة أخرى، على التفكير في المشكلة الرئيسية في حياتها والمستمرة منذ أربعة عقود: هل إيران هي دولة قومية ملتزمة بالقانون المحلي وتحترم القانون الدولي، أم أنها مجرد ثورة متحررة من كل القوانين؟
تعكس ردود الفعل على الأزمة الحالية أن كلتا النسختين الإيرانيتين موجودة داخل المؤسسة الخمينية. وأولئك الذين لا يزالون يتيهون بشراب «الثورة» الساحر يأملون أن الهجوم على البعثات الدبلوماسية السعودية والأزمة الناتجة عنه سوف يساعدانهم على الحشد والفوز في السلسلة المقبلة من الانتخابات الداخلية للنظام الحاكم في فبراير (شباط). وفي الحقيقة، من المحتمل أنهم قد خططوا لتلك الهجمات وصولا لذلك الغرض تحديدًا كما فعلوا في حالات مماثلة عند اقتراب الانتخابات السابقة.
وما دامت إيران «الفصامية» غير متصالحة مع ذاتها، فلن تكون في سلام مع أي كيان آخر.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.