قانون الخدمة المدنية.. هل خالف البرلمان التوقعات؟

نادر بكار

نشر في: آخر تحديث:

لأن القرار كان متعلقا بمصائر ما يقرب من ثلاثين مليون مصرى، كان طبيعيا أن تحظى أنباء رفض البرلمان لقانون« الخدمة المدنية» بهذا الزخم والانتشار، وأن تخلف وراءها جولات جدال ونقاش وتحليل لم تنته حتى اللحظة، مع ترقب التعديل الذى أرغمت الحكومة على إجرائه قبل العرض على المجلس مجددا .


حسنا.. القانون وتداعيات إلغائه ومناقشة حجج المؤيدين والمعارضين موضوع ٌمتعدد الجوانب ومتفرع القضايا، أما وقد حسم أمره بالرفض فيتبقى التعليق على مسألتين مهمتين لا تتعلقان بهذا القانون تحديدا، قدر تعلقهما بالمنهج المتبع فى صياغة السياسات العامة من ناحية، وطبيعة العلاقة القائمة والمتوقعة بين المجلس والحكومة، من ناحية أخرى.
المسألة الأولى: الحكم على القانون لا يمكن أن يكون صحيحا إذا كان بمعزل عن تصور الإطار العام Main Frame Work الذى انبثق منه هذا القانون. فلو افترضنا مثلا، أن القانون أريد له أن يكون أداة لإصلاح خلل اقتصادى ما، فينبغى أن يكون سؤالنا الأول لصانع القرار عن تصوره العام لعلاج الخلل الذى ستكون إحدى أدواته هذا القانون أو غيره، ومن ثم نحكم حكما عاما بقبول هذا الـ Frame work من عدمه.
وهنا يتضح خطأ الحكومة الجوهرى، بغض النظر عن انتقاد جزئيات القانون، فالقانون كان نوعا من السياسات العامة Public Policy التى تحتاج من صانع القرار إلى شرح وتفصيل لفلسفتها، ومدى ترابطها مع حزم أخرى من السياسات العامة لخدمة هدف استراتيجى يمكن قياسه والحكم عليه قبولا أو رفضا. ليس الشرح النظرى هو المطلوب، بل التسويق المدروس للسياسة العامة هو ما افتقرت إليه الحكومة فى قانون الخدمة المدنية، وهو الدور الذى يقوم به سياسيون سواء كانوا أحزابا أو مستقلين فى الظروف العادية. أما لو كان هذا الدور منتظرا بالفعل من ائتلاف دعم مصر ــ وهو ما أرجحه ــ فسيكون وصف الفشل أقل بكثير مما يستحقه فى أول اختبار برلمانى حقيقى.
أشك أن كثيرا ممن صوتوا برفض القانون قد حسموا أمرهم بناء على الدراسة المتأنية أو انطلاقا من تبنى إطار عام مختلف للذى ترى به الحكومة تطوير قطاع العمل الحكومى، بل أغلب الظن أن الرفض الذى تحسسه بعض النواب من الدوائر الشعبية المحيطة بهم هو الذى دفع إلى ذلك. وهذه هى المسألة الثانية.
البرلمان عانى منذ انتخابات المرحلة الأولى، من انهمار رهانات الفشل على رأس أعضائه من كل حدب وصوب، بل يرى البعض أن أجهزة الدولة التى تدخلت فى اختيار ونجاح مرشحين بأعينهم هى نفس الأجهزة التى ساعدت فى ترويج مقولة « مجلس الموافقة» بين أوساط المصريين، لتقتل أى محاولة مبكرة للتواصل بين المجلس والجماهير على فرض أنه بذلك لن يجرؤ على تمثيل طموحاتهم لو اصطدمت بحواجز النظام.
من هذه الزاوية، يمكن القول إن ارتباكا حقيقيا يسود المشهد، خاصة وقد بدت سلطة البرلمان تتمدد يوما بعد آخر، مستفيدة من صلاحيات غير مسبوقة كفلها الدستور لممثلى الشعب.. يصعب القول الآن بوجود موجه أعلى للمجلس يرسم مساره، ويصعب فى الوقت ذاته الجزم بالعكس، لاسيما مع وجود السيد العجاتى وزيرا والسيد على عبدالعال رئيسا للمجلس.. لكن المؤكد أن العلاقة بين البرلمان والحكومة قد شهدت تطورا مهما برد هذا القانون رغم الضغوط الهائلة التى مورست لتمريره.

*نقلاً عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.