عاجل

البث المباشر

غاريث بايلي

<p>دبلوماسي بريطاني</p>

دبلوماسي بريطاني

لإحياء الأمل في سورية.. لا بد أولا من توفر شيء من الثقة

"عام سعيد"!. "كل عام وأنتم بخير". في هذا الوقت من السنة يتعاضد الناس ويتمنون الخير لبعضهم البعض للسنة المقبلة عليهم. ويظل السوريون كرماء فوق التصوّر، إذ يتمنون لي "المحبة والسلام والسعادة" في سنة 2016. واعتدت على مبادلتهم هذا الجميل بابتهال أن تنعم سورية بالسلام، أو بأن تكون هذه السنّة على الأقل أفضل من السنة الماضية. وما أصعب ذلك!

الواقع أن الأمل في أن يحل السلام كان شحيحاً مطلع سنة 2015. لكنه بدا أفضل في مطلع سنة 2016. فقد دعا مجلس الأمن الدولي إلى البدء هذا الشهر في مفاوضات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف، تثبيتا لالتزام دول "مجموعة الدعم الدولية لسورية" بمساعدة السوريين لتحقيق السلام في بلادهم من خلال عملية انتقال سلمي، على أن تكون مصحوبة بجدول زمني محدّد بثمانية عشر شهرا. والمملكة المتحدة طرف في مجموعة الدعم تلك، ونحن من جانبنا نبذل كل ما باستطاعتنا لمساعدة السوريين على صنع السلام.

وفرص السلام أفضل إن كان هناك بعض الأمل. وتعهدات مجلس الأمن الدولي توفر شيئا من الأمل. ومن شأن تدابير بناء الثقة أن توفر أكثر فأكثر.

تُستخدم تدابير بناء الثقة للإشارة للرغبة في تغيير الوضع القائم. ويمكن أن تظهر التزاما مشتركا من أطراف الصراع باحترام القانون الدولي وتدلل على رغبة في حل الصراع سياسيا. وهي تبني جزءاً صغيرا من الثقة بين الأطراف. كما تبيّن للناس العاديين أن المتفاوضين يحاولون تسوية الحرب بينما هم يبحثون المسائل من كل الجوانب بعيدا عن الوطن (في أوروبا هذه المرّة).

لكن يجب عدم الخلط بين تدابير بناء الثقة وبين الالتزامات المنصوص عليها في القانون الإنساني الدولي. فالأولى طوعية، أما الثانية فهي إلزامية.

ومع ذلك، غالبا ما تتداخل تدابير بناء الثقة في سورية مع الالتزامات الإنسانية لسبب بسيط هو أن السوريين يريدون توقف قتل وإصابة المدنيين وانتهاكات حقوق الإنسان. يريدون وقف انزلاق سورية المتواصل نحو كارثة إنسانية. يريدون من أطراف الصراع أن يتخذوا الخطوات الأولى نحو ذلك. وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 يتفق معهم على هذا المنحى.

هناك عدد من الأمور التي يمكن، بل لا بدّ لها أن تحدث: إنهاء استهداف المدنيين والقصف الجوي للمناطق المأهولة بالمدنيين؛ ورفع الحصار عن المناطق المحاصرة والسماح بدخول المساعدات الإنسانية؛ والإفراج عن المعتقلين؛ والتحقيق في مصير من اختفوا؛ ووقف إرغام الناس على الرحيل عن بيوتهم، سواء إلى أماكن أخرى داخل البلاد أو خارجها.

اخترت التركيز فيما يلي عن نقطتين. ذلك لا يعني تفضيلي لهما على القضايا الأخرى، غير أنهما حاليا تحظيان بتغطية إعلامية مكثفة.

النقطة الأولى حول السماح بوصول المساعدات الإنسانية. إن الصور المروعة التي خرجت من مضايا، شمال غربي دمشق، تشهد على الحاجة إلى فتح مداخل ودون أي عوائق في كل أنحاء سورية لدخول الطواقم الطبية والمعدات ووسائط النقل والإمدادات. فالوضع، كما هو الحال الآن، غير مقبول. ففي الفترة ما بين يناير (كانون الثاني) ونوفمبر (تشرين الثاني) من السنة الماضي تمكنت الأمم المتحدة من الوصول إلى 7 بالمئة فقط من بين 4.5 مليون إنسان يعيشون في مناطق يصعب الوصول إليها. إن عرقلة وصول المساعدات الإنسانية يتسبب في المعاناة والموت، وهذا انتهاك للقانون الإنساني الدولي.

وما برحت الحصارات تعرّض حياة المدنيين إلى خطر داهم. فهناك في المناطق المحاصرة 400,000 إنسان بحاجة للمساعدة؛ لكن الأمم المتحدة تمكنت في السنة الماضية من الوصول إلى 1.5 بالمئة منهم فقط. إن رفع الحصارات يمكن أن يعيد للسوريين أبسط حقوق الإنسان وينقذ الأرواح. وقد دخلت أخيرا ثلاث قوافل إغاثة إلى مضايا بعد 84 يوما من الحصار الجائر الذي فرضه نظام الأسد وحزب الله. وعسى أن تكون هذه القوافل الثلاث بداية لوصول مستدام ودون عراقيل لهذه القرية ولجميع المناطق المحاصرة الأخرى في سورية.

والنقطة الثانية حول المعتقلين والمختفين. تقدر منظمة هيومان رايتس ووتش عدد المعتقلين لدى نظام الأسد بأكثر من 85,000 شخص يعيشون في وضع يمكن يرقى لأن يكون اختفاء قسريا. وهناك مجموعات مسلحة ناشطة داخل سورية، من بينها تنظيمات إرهابية مثل داعش وجبهة النصرة، تحتجز هي الأخرى مدنيين تعسفيا. وبالتالي فإن الإفراج عن السجناء والكشف عن مصير المختفين كلاهما خطوتان يجب على كل الفاعلين، سيما النظام الذي يحتجز عشرات الآلاف من السجناء، اتخاذهما كونهما من تدابير بناء الثقة اللازمة للتفاوض على السلام.

إن من شأن الإقدام على إجراءات لإنهاء العنف واستعادة الكرامة المساعدة في تقريب أطراف الصراع السوري تجاه وقف لإطلاق النار في أنحاء البلاد. ويمكن لهذه الإجراءات أن تساهم أيضا في تجنب انهيار المفاوضات جراء الاعتقاد الخاطئ بأنه لا بدّ من "وقف إطلاق النار أو لا شيء على الإطلاق".

سنعرف قريبا جدا إن كانت المفاوضات ستبدأ تحت رعاية الأمم المتحدة. من جهتنا، نريد لها أن تبدأ. ومن شأن تدابير بناء الثقة أن تساهم قطعا في تحويل فرص المفاوضات إلى حقيقة واقعة.

وستواصل المملكة المتحدة القيام بدورها، تدعم الاتفاق على تدابير بناء الثقة وتؤيد كل جهود السلام بمساعدات إنسانية وغير ذلك من مساعدات. فقد تعهد رئيس الوزراء كاميرون بتقديم مليار جنيه إسترليني على الأقل لإعادة تثبيت الاستقرار في سورية ليحول السلام المكتوب على الورق إلى سلام على أرض الواقع. كما تستضيف المملكة المتحدة، بالاشتراك مع كل من ألمانيا والنرويج والكويت والأمم المتحدة، مؤتمرا في لندن في 4 فبراير (شباط) هدفه إعادة بلورة ردّ المجتمع الدولي على الأزمة ككل. ذلك يشمل رصد مبالغ مالية كبيرة لسد الاحتياجات العاجلة للمتضررين في سورية والمنطقة. وسوف نتفق أيضا على تدابير وتمويل لتوفير فرص تعليمية واقتصادية جديدة للاجئين في المنطقة، ودعم للمجتمعات والدول التي تستضيفهم.

فلنصلي لأجل الأمل، ولأجل بعض الثقة للوصول إلى لهذا الهدف، ولأن تكون سنة 2016 أفضل لسورية من سنة 2015.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات