عاجل

البث المباشر

السيد ولد أباه

<p>كاتب وباحث سياسي موريتاني</p>

كاتب وباحث سياسي موريتاني

"الإخوان" والثورة المصرية في ذكراها الخامسة

كنت في باريس عند سقوط الرئيس المصري الأسبق «حسني مبارك»، في 25 يناير 2011، وأذكر أن إحدى أكبر الشخصيات الأكاديمية الفرنسية من المتخصصين في الشأن المصري قالت لي أوانها إنها لا تتوقع أي استقرار سياسي لمصر نتيجة لأن القوة السياسية الوحيدة المرشحة لتبؤ السلطة هي جماعة «الإخوان المسلمين» التي ليست حزباً سياسياً بالمعنى المألوف وليس لها الكفاءة لإدارة الشأن العام، والأخطر من هذا كله أنها لا تدرك طبيعة التوازنات الدقيقة التي يقتضيها حكم مصر داخلياً ودولياً.

لم يكن لـ«الإخوان» دور يذكر في أحداث الثورة وإن استفادوا من طبيعة الأوضاع الانتقالية التي كانت مشحونة ومضطربة، ففي الوقت الذي انهارت الأحزاب السياسية الوطنية العريقة، ولم تنجح الديناميكية الثورية في التشكل التنظيمي في قوى سياسية فاعلة، استطاع «الإخوان» الاستفادة من الزخم السياسي الجديد من خلال شبكاتهم التنظيمية القوية، مستميلين قطاعاً من الشارع المصري المحبط الذي رأى فيهم قوة تغيير وإصلاح، قبل أن يكتشف بسرعة زيف وعودهم وينقلب عليهم في انتفاضة 30 يونيو 2013.

كان فشل التجربة الإخوانية في الحكم أمراً محتوماً لأسباب ثلاثة بديهية:

أولاً: غياب المشروع المجتمعي والفكري القادر على تعبئة الشارع المصري للنهوض والإصلاح، فمن المعروف أن المدرسة الإخوانية فشلت خلال ثمانين سنة من الوجود في بناء خطاب فكري متماسك وبلورة منظور تجديدي إصلاحي للدين، بل كانت في ظهورها تجلياً لانسداد الأفق الإصلاحي الاجتهادي الذي عرفته مصر في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. لا يتجاوز «المشروع الإخواني» مقولة أن «الإسلام دين ودولة»، وهي عبارة تشكل بذاتها انقلاباً على كل التقليد الإسلامي وتحويلاً للدين إلى أيديولوجيا للحكم، دون النجاح في بلورة التصورات والمقاربات المترتبة على هذا المشروع الأيديولوجي الذي ظل هشاً وغائماً.

ثانياً: العجز الفادح في عن استيعاب قيم التعددية الديمقراطية والمقاربة المدنية في تدبير الشأن العمومي، بحيث لم يتجاوز اعتماد «الإخوان» للمنظومة الديمقراطية الحسابات الانتخابية، أي آليات المنافسة والاقتراع التي استُخدمت أداةً للوصول إلى السلطة دون قبول استحقاقاتها في مناحي الحريات العامة والتعددية السياسية التي إن غابت تحولت الآلية الديمقراطية إلى وسيلة لفرض مسلك «الديكتاتورية الانتخابية» التي هي أسوأ أشكال الاستبداد السياسي.

وقد انعكس هذا العجز في محاولات حكومة «الإخوان» الهيمنة على السلط المضادة في النظام الانتخابي من قضاء وإعلام ومؤسسات عمومية، كما تجلى في علاقة القطيعة والعداء بالقوى السياسية التي صنعت الثورة.

ثالثاً: ازدواجية البناء الإخواني بين الجماعة التي ظلت مصدر القرار الفعلي والحكومة التي تتبع عملياً مرشد الجماعة، وتنعكس هذه الازدواجية في المعطى الخارجي من منظور أولوية التنظيم الإخواني الدولي وتوجهاته على اعتبارات المصلحة الوطنية ومقتضياتها. لقد ولدت هذه الازدواجية حالة غير مسبوقة شلت مركز القرار المصري وعرضت بناء الدولة ذاته لمخاطر حقيقية، كما عرضت أمن مصر الحيوي وعلاقاتها الخارجية لتهديدات خطيرة.

لقد كانت انتفاضة 30 يونيو احتجاجاً عميقاً على سياسات تدمير الدولة وتقويض مكاسب التغيير التي أنجرت عن ثورة 25 يناير، وبالتالي كانت رفضاً جذرياً لمشروع «الإخوان» السياسي الذي فشل في اختطاف مسار التحول الذي بدأ مع سقوط نظام مبارك قبل خمس سنوات.

وبدلاً من المراجعة العميقة للتجربة وتصحيح أخطاء المسار، لجأ «الإخوان» إلى انتهاج أساليب العنف الإرهابي التي أريد منها تأجيج الاحتقان الداخلي وإشعال الفتنة بحثاً عن السلطة بأساليب القوة والفوضى، ما زاد الجماعة عزلة ورفضاً في الشارع المصري.

لقد عاصر المفكر الإسلامي الجزائري «مالك بن نبي» نشأة «الإخوان» واطلع على كتاباتهم وعاش في مصر أيام صدامهم مع «جمال عبد الناصر»، وكان يقول حسب شهادة جلسائه في حلقاته الأخيرة في دمشق والجزائر إن «الإخوان» جرفوا مشروع الإصلاح الديني إلى مشروع أيديولوجي شاذ يخشى أن يدمر المجتمعات المسلمة ويقضي على إمكانات تجديد الدين وإصلاحه.

* نقلا عن "الاتحاد"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات