عاجل

البث المباشر

حينما تتحول 25 يناير من عيد إلى وعيد

■ الثورات عمل بشرى يلحقه ما يلحق البشر من خير وشر وملائكية وشيطانية وصلاح أو فساد.. وثورة 25 يناير هى واحدة من هذه الثورات أراد الثوار تقديسها فى بداية الثورة وكانوا يخونون أو يكفرون من يذكر بعض سلبياتها.. واليوم سجن أو انزوى أو هاجر معظم رموز ثورة 25 يناير، ولم يبق على الساحة سوى خصومها وأعدائها وأكثرهم ذوو ألسنة حداد وبعضهم أكل على كل الموائد دون حياء لتتحول الثورة على أيدى وألسنة هؤلاء من مرحلة التقديس التى أرادها الثوار إلى مرحلة التبخيس والتنجيس.. فلا أحد اليوم يدافع عنها أو يذود عن حياضها.. أو يقول إن بقاء حاكم لمدة ثلاثين عاماً كاملة فى الحكم هو سبب منطقى للثورة عليه فضلاً عن توريثه الحكم وفساد معظم بطانته وإهماله لشؤون البلاد والعباد، وترك مصر نهباً للفوضى والضعف والهوان السياسى والاقتصادى والتحلل الاجتماعى والأخلاقى مع شيوع الفساد والرشوة والزواج الحرام بين السلطة والثروة.

■ لقد كانت الأيام الأولى لثورة 25 يناير هى الأجمل فى تاريخ مصر منذ أيام انتصارات الجيش المصرى وتضحياته وقصص أبطاله وشهدائه أثناء حرب 6 أكتوبر المجيدة، ثم بدأت الثورة تنحرف عن مسارها الصحيح فتحرق الأقسام تارة وتحاصر الوزارات مثل الداخلية والدفاع مرة أخرى، فى سوابق غريبة وعجيبة لم تحدث حتى مع وزارة الدفاع بعد نكسة 5 يونيو سنة 1967.

■ ورغم أننى كنت ثائراً فى شبابى إلا أن عمرى وتجاربى الخاصة والعامة وقراءتى المتأنية لتاريخ معظم الثورات فى العالم العربى وفحص نتائج هذه الثورات أو إنزال فقه النتائج (المآلات) وفقه المصالح والمفاسد وفقه الأولويات عليها- جعلنى أصل إلى نتيجة صادمة مفادها أن معظم الثورات فى المنطقة العربية طوال مائة عام لم تحقق معظم أهدافها.. بل إن حال معظم الدول بعدها كان أسوأ مما قبلها.

■ ولا تكاد تسلم ثورة فى بلاد العرب من هذه القاعدة.. بما فيها ثورة يوليو سنة 1952 التى كانت سلمية ولم ترق فيها أى دماء تسلمت مصر مكونة من (مصر والسودان) ومات عنها الرئيس عبدالناصر وتركها «دون السودان وسيناء».. فالأولى ذهبت إلى غير رجعة والثانية كانت تحتلها إسرائيل.

■ وقد سألت نفسى سؤالا مهماً؟ هل الأنبياء كانوا ثواراً أم مصلحين؟ والإجابة: أنهم كانوا مصلحين يأخذون بسنة التدرج وأخذ قومهم بالترفق وسوق النفوس إلى الحق بلطف ولين، ونزع لبنة فاسدة من مجتمعاتهم ووضع لبنة صالحة مكانها والسير مع سنن الكون والنفس البشرية وعدم التعجل فى الإصلاح.. بعكس الثائر الذى يريد أن يهدم الكون ثم يعيد بناءه.. فينجح فى الأولى ويفشل فى الثانية عادة رغم إخلاصه وتجرده وتضحياته وإيثاره.. فالثائر الحق رجل شريف نظيف يتلقى بصدره العارى رصاصات الغدر ولكنه عادة لا يصلح كرجل دولة.

■ ولعل البعض يقول: أين مانديلا من هذه القاعدة؟ فأقول له مانديلا حكم وهو فى مرحلة المصلح رجل الدولة، لا مرحلة الثائر التى كان عليها وهو شاب، الذى يعفو ويرحم ويصفح ويجمع ويؤلف.

■ لقد كان ميدان التحرير فى بدايات ثورة 25 يناير يجمع المسيحى والمسلم والليبرالى والاشتراكى واليسارى والإخوانى والسلفى والمتبرجة والمنتقبة والشاب والكهل والعسكرى والمدنى.. وكان كل منهم يحب الآخر بصدق وتجرد دون غرض.. واليوم أصبح معظم هؤلاء يكره ويتربص بعضهم ببعض.. ويريد بعضهم أن يزيح الآخر ليس من المشهد السياسى فحسب ولكن من الحياة كلها.. ومن يقدر على الآخر فإنه يفعل دون تردد.

■ ومع حلول ذكرى 25 يناير تكاد الحياة فى مصر أن تتوقف.. فالمريض يرفض السفر للقاهرة لإجراء الجراحة حتى تمر الذكرى بسلام.. والذى عليه دين لآخر يؤجل سداده بعد الذكرى بحجة «انت مش شايف الدنيا خربانة».. وأى مؤسسة علمية تريد إقامة مؤتمر علمى أو بحثى تؤجله لما بعد الذكرى.

■ أما الأنكى والأغرب فهو الكم الكبير من الوعيد المتبادل بين الإخوان وحلفائهم وبين الشرطة.. فالأولون يشعلون مواقع التواصل الاجتماعى تهديداً ووعيداً بثورة قادمة لا تبقى ولا تذر.

■ أما الشرطة فهى تفعل كثيرا وتتكلم قليلا.. فحملات التمشيط والقبض والاشتباه قد تطال المئات من الشباب.. وتوسيع دائرة الاشتباه يؤمن الدولة ولكنه قد يضر العدالة ويلحق الضرر بكثير من المظلومين لاسيما إذا طبقت القاعدة القديمة «اعتقال من سبق اعتقاله».. وتظل الدولة فى حالة كدر وتوتر.. والأسر التى قبض على أبنائها فى حالة حزن وانكسار وهؤلاء يشتمون على الذكرى واللى جابها.

■ لقد تحول العيد إلى وعيد.. والذكرى الجميلة إلى يتم وترمل وجراحات فى النفس والبدن.. فهل يستطيع أصدقاء وزملاء 25 يناير أن يلتقوا اليوم دون كراهية أو بغضاء أو تكفير أو تخوين.

* نقلاً عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات