أيها الدببة.. اتعظوا قليلًا!

عماد الدين حسين

نشر في: آخر تحديث:

سؤال إلى كل الذين يهاجمون روابط الألتراس وكل الشباب المعارض والغاضب ليل نهار: ما هو موقفكم الآن بعد أن خرج رئيس الجمهورية ليقول بوضوح إنه يصعب أن يكون الجميع على قلب رجل واحد لأن الاختلاف سنة الحياة، وإنه لا يغضب من أى نقد، وإن الدولة تتحمل مسئولية غضب الشباب، ولابد أن تمد يدها للجميع؟

ماذا سيقول هؤلاء «الدببة» بعد أن دعا الرئيس عشرا من «رابطة الألتراس » إلى الاطلاع على التحقيقات بشأن مذبحة ستاد بورسعيد فى أول فبراير ٢٠١٢؟!

ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسى مساء الإثنين الماضى مع الزميل عمرو أديب فى قناة اليوم التابعة لشبكة أوربت، هو تصرف طبيعى للتعامل مع أزمة أو مشكلة أو حالة سياسية معينة، لكن بعض الإعلاميين والسياسيين المصريين يتصرفون وكأن السياسة شىء ثابت لا يتحرك أبدا!.

السياسة لا تعرف الجمود، وحسنى مبارك الذى سخر من جميع معارضيه وقال: «خليهم يتسلوا» فى أواخر عام ٢٠١٠ ثم صم أذنيه عن ضرورة وقف انتهاكات الشرطة ضد المواطنين قبل ٢٥ يناير، اضطر إلى الخروج أكثر من مرة وخاطب الشعب وقدم تنازلات كثيرة، لكنها جميعها تمت بعد فوات الأوان.

وحتى المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان يستجيب كثيرا للعديد من مطالب المتظاهرين منذ سقوط مبارك فى ١١ فبراير ٢٠١١، وحكم الإخوان دفع ثمنا غالبا لأنه أصدر الإعلان الدستورى الكارثى فى ٢١ نوفمبر ٢٠١٢ وحاول التكويش على السلطة ووحد كل معارضيه فى جبهة واحدة.

السياسة تعنى المرونة والحركة، وما ترفضه اليوم قد تقبله غدا ما دام لا يتعارض ويتناقض مع المبادئ والخطوط الاستراتيجية.

فى حالة الألتراس فالمؤكد أن بعضهم اشتط فى تصوراته، وخالف القانون، هناك من اخترقهم وحاول استخدام ورقتهم، لكن من العبث النظر إليهم جميعا باعتبارهم «حفنة مارقة خائنة». هم مجموعة من الشباب الصغير شاهدوا زملاءهم وأصدقاءهم يتم قتلهم بطريقة خسيسة دنيئة، وكل ما طلبوه هو أن يروا القتلة وكل من شارك فى الجريمة أو حرض عليها ينالون حسابهم.

الألتراس ليسوا ملائكة، لكنهم أيضا شباب فقد الثقة فى الحكومة وأجهزتها، وبعضهم ــ بحكم سنه ــ لا يطلع على كل التفاصيل وبالتالى فعبء إقناعهم واحتواءهم يقع على عاتق الحكومة.

المتطرفون يريدون محو كل الشباب المعارضين من الوجود أو إغلاق أفواههم، وهو أمر لن يحدث، لا فى مصر ولا فى أى منطقة بالعالم.

الدنيا تغيرت. ما لا يدركه هؤلاء هو أن زمن احتكار الحقيقة انتهى، والأصوات المختلفة والمتنوعة هى سنة الحياة وبالتالى، فالحل الأسهل والأقل تكلفة، أن يستمع الجميع إلى بعضهم البعض.

النقطة الجوهرية أن المشكلة، ليست فقط فى مشكلة ألتراس الأهلى ومذبحة بورسعيد، قد يتم حل هذه القضية غدا، أو بعد أسبوع أو شهر، وتغلق للأبد عندما ينال المجرمون حسابهم، ويتم حل العقدة النفسية بين الشرطة والألتراس.

المشكلة هى تلك الثقة المعقودة بين معظم أجهزة الدولة والشباب. ولكى تعود تحتاج إجراءات بناء ثقة حقيقية من قبيل الإفراج عن كل الشباب غير المتورطين فى قضايا عنف وإرهاب، ووقف خطاب التخوين، وأن يصيروا جزءا فعالا من العمل العام وليس مجرد قطعة ديكور.

نعود مرة أخرى إلى أصل المشكلة وهى الإعلاميون والسياسيون الذين طالبوا ويطالبون بقتل أو نفى أو حرق أو إبعاد أو سجن أى شخص يعارض الرئيس أو الحكومة.

هؤلاء لم يعملوا بالسياسة من قبل ولا يفهمون فيها قيد أنملة. من الخطأ القاتل للسياسى أن يتخذ موقعا واحدا ثابتا جامدا من أى مشكلة أو قضية مرنة متحركة متغيرة.

وبالتالى سوف يتفاجأ هؤلاء دائما بأن الرئيس الذى يحبونه أو الحكومة التى يؤيدونها قد تتخذ مواقف وإجراء وخطوات ظلوا هم طوال الوقت يعتبرونها من المحرمات.

إذا أدرك هؤلاء هذا الأمر، وجب عليهم أن يغيروا كثيرا من طريقة كلامهم وكتاباتهم وتحليلهم وسياستهم وألا يقطعوا خط الرجعة مع أى شىء.

لا أقصد إطلاقا أن يكونوا منافقين أو مائعين أو يمسكوا بالعصا من المنتصف دائما، ما أقصده ألا يزايدوا على الرئيس وأجهزة الحكم. السياسة لا تعرف هذه المواقف الإطلاقية المجردة، وأحد تعريفاتها أنها الاختيار بين أقل الحلول سوءا وليس بين الأفضل والأسوأ. فهل يتعظ هؤلاء ويتوقفوا عن سياسة الدببة التى لا تقتل الا أصحابها فقط؟!.

* نقلا عن "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.