السعودية.. المشاركة البرية في سوريا

عبد الله بن بجاد العتيبي

نشر في: آخر تحديث:

في السياسة لا يشغل شيءٌ عن شيءٍ، فالملفات تسير بالتوازي، ولا يفرق بينها إلا الأولويات التي تحكم الرؤية الكبرى والمصالح المستهدفة على أكثر من مستوى وبأكثر من معيارٍ.

كان لتصريحات المستشار في مكتب وزير الدفاع السعودي، العميد الركن أحمد عسيري، التي أدلى بها الأسبوع الماضي، تأثير قوي على المستوى الإقليمي والدولي، تجاه ملفات المنطقة الساخنة، في سوريا وفي اليمن، حيث أعلن استعداد المملكة العربية السعودية للمشاركة العسكرية البرية لحرب تنظيم داعش في سوريا، وأن قوات التحالف العربي أصبحت داخل محافظة صنعاء، وهي تصريحاتٌ لها أبعادٌ أوسع من مجرد الخبر.

المملكة العربية السعودية الجديدة أصبحت على يد الملك سلمان بن عبد العزيز تتعامل مع السياسة على مستوى عالٍ من الوعي والواقعية مع الحزم والحسم، وهي بقياداتها الشابة تحت رعاية الملك استطاعت أن تغير الكثير من الملفات داخليًا وخارجيًا، ما أربك الخصوم، ولفت انتباه العالم.

لقد استطاعت السعودية في أقل من عامٍ أن تستقطب تحالفًا عسكريًا عربيًا تجاه اليمن وتحالفًا عسكريا من الدول المسلمة ضد الإرهاب، ملفها الأثير الذي قدمت ولم تزل تقدم فيه العجائب، واستطاعت في ظل تخلي أكبر الحلفاء عن دوره المعهود أن تستخدم قوتها الذاتية على التغيير والتطوير ومواجهة الأعداء بقوةٍ غير مسبوقةٍ وبسياسةٍ عقلانيةٍ ذكيةٍ تعرف كيف تحضّر المشاهد ومتى تقدم وإلى أي حدٍ ومتى تحجم وإلى أي حد، إنها ببساطة لا تقود فحسب، بل ترسم حدود ألاعيب السياسة في المنطقة والعالم.

بالاستفادة من التناقضات جمعًا وتفريقًا، ورؤية الفرص في الأزمات ربحًا ودعمًا، وبالعمل المثابر، والرؤى المفتوحة للمستقبل، مع التكامل في كل الملفات، تقدم السعودية الجديدة نفسها للعالم.

وفي هذا السياق، فلنأخذ بعض الأحداث الأخيرة كشاهدٍ، ففي ملف الإرهاب الداخلي والاستهداف الدائم لحركات الإرهاب السنية والشيعية للسعودية ودول الخليج، تتضح عدة حقائق، أن السعودية هي العدو المستهدف الأول لكل حركات الإرهاب السني والشيعي، وأن إيران لم يتم استهدافها ولا مرةً واحدةً من تلك الحركات.

والأسبوع الماضي، وفي حدثين مهمين، قلصت السعودية من حجم الخسائر في تفجير مسجد الرضا، وكان «شهداء» رجال الأمن موازيًا لـ«الشهداء» المدنيين، وتم الكشف في أقل من ستة أشهر عن الخلية الإرهابية التي استهدفت مسجد قوات الأمن الخاصة في أبها، والإعلان عن المنفذين والمطلوبين.

وفي الأزمة السورية، معروفة مواقف المملكة التاريخية تجاه الشعب السوري، وموقفها منذ اندلاع الأزمة الحالية. واليوم، زادت السعودية على ذلك توحيد المعارضة السورية، وتأييد ذهابها لجنيف3، وهو الموقف الذي زاد من فضح موقف النظام السوري وعدم حرصه على أي حلٍ سياسيٍ، وبخاصة بعد تعليق جنيف3.

اتجهت السعودية كما يبدو للمتابع لبناء منظومة تحالفاتٍ، قديمةٍ وجديدةٍ، التحالف القديم ضد «داعش» يتم تطويره حاليًا باتجاه تدخلٍ بري في سوريا وهو ما تمت الإشارة له أعلاه، والتحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن يدخل محافظة صنعاء، ويعزز مكانته في تعز، ويواجه الإرهاب في الجنوب، وتحالف الدول المسلمة ضد الإرهاب يتم تطويره وتفعيل آلياته ليكون أكثر مرونة في التصدي للأزمات على اختلافها.

التحركات العسكرية تأتي دائمًا لدعم الرؤى السياسية، ومن هنا يمكن قراءة هذا التوجه السعودي المقدام تجاه الأزمة السورية في تفهمٍ كاملٍ للرؤى المتخاذلة لبعض الدول الكبرى في العالم في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، والمتمثلة في الإصرار الغريب على عدم التدخل في أي مكانٍ حتى ولو كان على حساب المصالح الكبرى ومستقبل الدول والشعوب والحضارات.

إقليميًا، وفي الملف اللبناني والملف العراقي يمكن للمراقب رصد تحركات سياسيةٍ من طرازٍ رفيعٍ، فالملفان الكبيران أصبحا في حالة تحركٍ جديدةٍ، ولم يعودا ثابتين أو مسلمًا بالأوضاع فيهما، فالسفير السعودي لدى لبنان يعلن صراحةً أن السعودية تدعم الدولة اللبنانية، وتوافقات اللبنانيين، والأحداث في لبنان تؤكد أن سعد الحريري بات يدعم سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، بينما يدعم سمير جعجع ميشال عون للرئاسة، وهي معادلةٌ سياسية لبنانية جديدة، أعادت فرز المشهد من «14 آذار»، و«8 آذار» إلى مشهدٍ جديدٍ سيزيد من قدرة المواطن اللبناني على اكتشاف من هو عدوه من صديقه داخليًا وإقليميًا.

وفي الملف العراقي الكبير، ومع مراعاة كل الأبعاد المهمة، فإن المتابع لتحركات السفير السعودي النشط ثامر السبهان، يستطيع أن يكتشف بسهولة مدى التعطش العراقي لدورٍ سعودي وخليجي وعربي فاعلٍ لدعم الدولة العراقية والشعب العراقي بشتى اختلافاته وتبايناته، عرقيًا وطائفيًا وقبليًا وسياسيًا، فالشعب العراقي اليوم بات يعرف جيدًا من يدعمه ويدعم دولته، ومن يعمل لاستكمال احتلاله وشراء ذمم رموزه أو إسكاتهم رغبًا ورهبًا، من المرجعية إلى الأحزاب، ومن التيارات إلى الرموز.

إن أي تذمرٍ من توسع القوة وتأثير السياسة هو في المحصلة ينتمي لرؤية قاصرة، لم تجبر نفسها على سؤال ماذا لو لم نفعل؟ ولم تقارن حجم الخسائر بين الإقدام والقيادة وبين الإحجام والتبعية، لا تاريخيًا ولا واقعيًا ولا مستقبليًا.

ولكن، هل يؤدي الوعي بالمنجزات إلى تجاهل القصور؟ بالتأكيد لا، فكما أن ثمة الكثير من الملفات النشطة والمتطورة داخليًا وخارجيًا ينبغي استحضارها، فإن ثمة بالمقابل ملفات لم يزل مسكوتًا عنها، نقدها محقٌ، ومواجهتها مستحقةٌ، وإصلاحاتٌ كبرى في متناول اليد، وهي لا تقتصر إلا إلى إعادة التصور والتوصيف، والبناء والرؤية، وحسم القرار وعزم التنفيذ.

مع كل ما تقدم، فلم تزل السعودية تتعرض لحملات تشويه كبرى على المستوى الدولي والإقليمي، إعلاميًا وأكاديميًا، وعلى مستوى مفاهيم العالم المستقرة حضاريًا وثقافيًا، فمن يصدق أن بعض الدول الغربية ونخبها السياسية، والحقوقية، والمدنية، لم تزل تعتقد أن إيران أفضل من السعودية؟

هناك الكثير مما تم إنجازه، ويستحق الفخر، وهناك الكثير مما لم ينجز بعد، ولكن آليات العمل، وسرعة التطوير، ودقة التوجهات، تنبئ جميعًا بحاضر أكثر إبداعًا ومستقبل أكثر إشراقًا.

أخيرًا، فإنه على الرغم من ضخامة التحديات، وكثرة التفاصيل، فإنها تبقى جميعًا تحت القدرة والإرادة، والعالم العربي اليوم أفضل مما كان عليه قبل سنواتٍ خمسٍ مضت، لا بمعنى انتشار الفوضى، بل بمعنى القدرة العاقلة على مواجهتها وتغييرها.

*نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.