الشعر والنثر والسفاهة في الانتخابات الاميركية

هشام ملحم

نشر في: آخر تحديث:

الانتصار الذي حققه كل من المرشح الجمهوري الثري دونالد ترامب صد منافسيه الكثر، والديموقراطي برنارد ساندرز ضد منافسته الوحيدة وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون كان متوقعا، ولكن حجم الانتصار لم يكن متوقعا. تفوق ساندرز باثنين وعشرين نقطة على كلينتون، وتفوق ترامب بعشرين نقطة على الحاكم جون كايسيك، عكس عمق غضب الناخبين من اخفاقات ومساومات الطبقة السياسية الحاكمة في واشنطن بحزبيها. اللافت هو ان المرشح اليميني ترامب، والمرشح الاشتراكي ساندرز يبين ان استياء المواطنين يتخطى الانتماءات الحزبية، ويمثل تحديا لما يسمى بالمؤسسة التقليدية الحاكمة في واشنطن والتي يبدو ان الناخبين لا يثقون بها وبمن يمثلها في السباق الانتخابي، ولذلك صوتوا لما يمكن اعتبارهم المرشحون "الخوارج". في معظم الدورات الانتخابية الاميركية يحلو للمرشحين من الحزبين ان يطرحوا انفسهم وكأنهم في حرب مستعرة ضد "الحكومة"، او ضد "واشنطن" او ضد "المؤسسة التقليدية". في الدورة الحالية ارتفعت نبرة العداء لواشنطن، ولكن توق المرشحين لان يحكموا "واشنطن" التي يرجمونها بالكلام والاهانات لم يهدأ او يخفت.

هيلاري كلينتون شخصية سياسية يعود حضورها على المستوى السياسي الوطني لربع قرن، ولكنها هزمت في ولاية نيوهامبشر على يد مرشح عمره 74 سنة، لم يكن معروفا على المستوى الوطني قبل 9 اشهر، وامضى معظم حياته السياسية "كمستقل" ويصف نفسه "بالديموقراطي-الاشتراكي". الالة الانتخابية لكلينتون، وشبكة العلاقات الواسعة التي بنتها هيلاري كلينتون وزوجها الرئيس السابق بيل كلينتون اخفقت في التصدي لساندرز في نيوهامبشر. ساندرز طرح نفسه كقائد لحركة شعبية يسميها "ثورة" ضد ما يعتبره فساد وكساد المؤسسة السياسية التقليدية في واشنطن ومساوماتها. في المقابل تطرح كلينتون نفسها كقائدة فعالة وقادرة على التصدي لاخطار الارهاب والطغيان السياسي من الصين، الى روسيا الى ايران.واذا كانت حملة ساندرز متفائلة وتركز على المستقبل ولها رسالة اصلاحية و، فان حملة كلينتون تبدو مملة وينقصها الحماس وتفتقر الى العفوية. حملة برنارد ساندرز تمثل الشعر، وحملة هيلاري كلينتون تمثل النثر.

في السباق الجمهوري، ينظم المرشح ترامب اكبر المهرجانات، وجمهوره متحمس له ولمواقفه المتشنجة والتمييزية ولكن ترامب ليس فصيحا، وملكته للغة ضعيفة،واذا كان لديه عجز كبير في النثر، وعجز غير قابل للتعديل في الشعر فانه يتمتع بفائض من السفاهة والركاكة والفظاظة. بعد نتائج نيوهامبشر ، تقلص السباق الجمهوري كما كان متوقعا عندما انسحب حاكم ولاية نيوجرزي الجمهوري كريس كريستي، والرئيسة السابقة لشركة هيولت باكر كارلي فيورينا، المرأة الوحيدة في السباق الجمهوري.

وتبين نتائج نيوهامبشر ان السباق الى البيت الابيض سوف يكون مضنيا وطويلا، ولن يحسم بسهولة. بعد يوم واحد من انتخابات نيوهامبشر اعلنت حملة ساندرز انها جمعت تبرعات من الناخبين تزيد عن 5 ملايين دولار. حملة كلينتون اكدت ايضا انها حصلت على تبرعات جديدة، ولكنها لم تذكر أي رقم.

الانتخابات الاولية سوف تنتقل الان الى ولايتي نيفادا وساوث كارولينا قبل انتهاء الشهر الجاري، وهما ولايتين مختلفتين ديموغرافيا حيث تتواجد فيهما اقليات هامة انتخابيا من الاميركيين من اصل افريقي او لاتيني، اي انهما يعكسان التركيبة الديموغرافية الموجودجة في معظم الولايات، بعكس ولايتي آيوا ونيوهامبشر الصغيرتين حيث تزيد نسبة السكان البيض فيهما عن 94 بالمئة. المرشحان الديموقراطيان سوف يبقيان في السباق بغض النظر عن الفائز فيهما، لان كلينتون وساندرز لن يفتقرا الى التبرعات. اما بالنسبة للجمهوريين فان النتائج قد تؤدي الى انسحاب مرشح او أكثر، وعندها سوف يتوضح المشهد الانتخابي الجمهوري. وبعد ذلك سوف تنتقل المعركة الانتخابية الى اول مارس وما يسمى انتخابات "الثلاثاء الكبير" حيث ستجري الانتخابات في 12 ولاية من المرجح ان تعطينا صورة اوضح عن السباق الجمهوري على الاقل، نظرا لان هذه الانتخابات سوف تجري في بعض الولايات الكبيرة ،مثل تكساس وفيرجينيا وجورجيا . واذا لم تؤد انتخابات اول مارس الى بروز مرشح متقدم وواثق من فوزه بترشيح حزبه، عندها سوف يبدأ التحضير لمؤتمرات حزبية مفتوحة على مختلف المفاجآت.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.