الهارد وير والسوفت وير والإنجازات

جمال عبد الجواد

جمال عبد الجواد

نشر في: آخر تحديث:

«فى كل مكان فى البلد مشاكل كبيرة» هذا ما قاله الرئيس السيسى، ولولا تأدبه لقال إنه كل ما تحط إيدك فى حتة تلاقى بلاوى. هذا أمر لا خلاف عليه، ونريد من الرئيس ألا يكف عن هذا الحديث، ونريد منه أن يتحدث بتفصيل وصراحة أكبر مسمياً الأشياء بمسمياتها، ليشخص لنا المشكلات، ويحدد المؤسسات والقوانين والممارسات المسئولة عنها، فيتهيأ الناس لمواجهتها معه.

الحديث عن المشكلات لا ينفى أن هناك تقدماً يتحقق على أرض الواقع. التقدم الحادث فى مجال الطرق ومترو الأنفاق يستحق التقدير. مشكلة الكهرباء تم حل أغلبها، وأى مقارنة عادلة بين الصيف الماضى والصيف السابق عليه تبين حجم الإنجاز الذى تحقق. توفير الغاز والسولار اللازم لتشغيل محطات الكهرباء هو إنجاز كبير لقطاع البترول والغاز. الشتاء الحالى هو أول شتاء يمر على مصر منذ عدة سنوات دون حدوث نقص ملحوظ فى أسطوانات الغاز، وهذا إنجاز آخر. لم يعد رغيف العيش يمثل مشكلة لعموم المصريين، لا من حيث توافره ولا من حيث جودته. توفير سلع أساسية بأسعار مناسبة من خلال شبكات التوزيع المستحدثة، والتطوير الحادث فى المقررات التموينية من حيث توافرها وجودتها وكمياتها، والمرونة التى أصبح المواطن يتمتع بها فى الاستفادة من هذه الخدمة.. كل هذه إنجازات لصالح عموم المصريين، وخاصة الفقراء منهم.

رغم كل هذه الإنجازات فإن الإحساس بالرضا والثقة فى المستقبل لم يتحقق بعد لدى أغلب الناس، وهذا انطباعى. الأمر هنا لا يتعلق فقط بخيبة الحكومة فى الترويج لنفسها، ولا بطبيعة الأداء الإعلامى، ولكنه يتعلق بالأساس بما قاله الرئيس السيسى حول المشكلات الكثيرة والكبيرة التى يواجهها المواطنون، والتى تجعل من الإنجازات التى تحققت قدراً يسيراً مما يجب القيام به، وبأن التقدم الذى حدث فى بعض القطاعات لم يصل بعد إلى الحجم الحرج الذى يحدث تغييراً نوعياً فى حياة الناس، فيتحول حالهم من التعاسة واليأس إلى السعادة والأمل، وهى النقطة التى عندها سنجد الناس يقرون بحدوث التحسن، ويبادرون بالحديث عنه بدلاً من الشكوى من الأوضاع وضيق الحال.

المنصفون يدركون حجم التحديات المتراكمة، ويدركون أيضاً أننا سننتظر زمناً طويلاً حتى تصل الإنجازات إلى الحجم الحرج الذى يشعر به عموم الناس. المنصفون يدركون أيضاً أن مشكلات مصر الكبيرة لن تحلها المشروعات، أو على الأقل فإنها لن تحلها فى زمن مناسب، فإضافة المزيد من المشروعات يجعلنا كما لو كنا نحمل تطبيقات جديدة متقدمة على حاسب آلى عتيق ذى سعة تخزينية محدودة وبطىء ومروحة التبريد فيه لم تعد تعمل، فيما نظام التشغيل الذى يعتمد عليه ينتمى للجيل الأول من برامج التشغيل ومصاب بالعديد من الفيروسات. مع حاسب آلى مثل هذا يتضاعف الوقت اللازم لإنجاز أى مهمة عدة مرات، ويصعب لدرجة الاستحالة تنفيذ أى عملية معقدة من نوعية إنهاض مصر من عثرتها وتلبية طموحات الملايين الذين انتظروا طويلاً.

ما نواجهه هو أكبر من مشكلة نقص المشروعات، ولكنه مشكلات فى الهارد وير، وأقصد به الاقتصاد والطريقة التى تمت هيكلته بها، وفى السوفت وير، وأقصد به طريقة صنع القرار والجهاز الحكومى بموظفيه محدودى الكفاءة والهمة ولوائحه التى تعطل العمل وتهدر الموارد وتسهل الفساد. ولهذا السبب فإن الملاحظة الأهم على الإنجازات التى تم تحقيقها هى غياب أى ضمانة لاستدامتها، فالاستهلاك المتزايد للطاقة قد يتجاوز كل الإضافات التى تم تحقيقها فى وقت قصير، الأمر الذى يفرض مواصلة الاستثمار فى هذا القطاع بلا توقف، وهو أمر يحتاج إلى أموال نعانى نقصاً كبيراً فيها. ومواصلة توفير السلع التموينية للمواطنين بالجودة نفسها أيضاً تحتاج إلى أموال وإلى رصيد من النقد الأجنبى فيما رصيدنا منه يكاد يكون ثابتاً عند نقطة منخفضة جدا. والطرق الجديدة والمحسنة تحتاج صيانة يجب توفير نفقاتها وإلا تدهورت كسابقتها، فيما الأجهزة الحكومية المسئولة عن الطرق والمواصلات مبدعة فى إهمال الصيانة وفى تحويل الجديد الرائع إلى قديم متهالك خلال شهور قليلة.

توفير الطاقة والطرق الجديدة يتيح فرصة لتوسع العمران والاستثمار، لكن فى ظل بطء دخول استثمارات جديدة فإن العائد التنموى للطرق وغيرها من المشروعات سيظل أقل من الإمكانية الكامنة فيها، ومهما ضاعفت الحكومة من المشروعات التى تنفذها فإنها ستظل أقل بكثير عما هو لازم لتحقيق الأهداف الكبيرة. فنقص الأموال العامة والاستثمارات الخاصة هو مشكلة كبرى لن تحلها زيادة الإنفاق العام، أو زيادة الاستثمارات الحكومية، أو تدخل الحكومة لإنقاذ شركات عامة متعثرة، أو تأسيس شركات عامة جديدة إضافية، وإنما سيحلها تطوير النظام الإدارى والقانونى بما يشجع كل صاحب فكرة على تحويلها فوراً إلى مشروع واستثمار. وقد فعل البنك المركزى خيراً بمبادرة توفير تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة بتكلفة منخفضة، ولكن يبقى الجهاز الإدارى العقيم عقبة ثقيلة تمنع قطف ثمار هذه المبادرة الممتازة، ناهيك عن دوره فى تطفيش الاستثمار الكبير، الوطنى منه والأجنبى.

المصريون يعرفون أن عهود ناصر والسادات ومبارك كان لها إنجازاتها كل بطريقته، ويعرفون أيضاً أن هذه الإنجازات لم تكن كافية لوضعهم بشكل نهائى على طريق الرفاهية والتقدم، الأمر الذى يمنعهم من التفاعل بحماس وإيجابية مع مشروعات جديدة يتم تنفيذها فى ظل الهارد وير والسوفت وير القديمين. وأظن أن الناس سيلاحظون عندما يتم تغيير النظم البالية، وأظن أنهم عندها سيكونون مستعدين للشعور بالثقة فى أن المقبل أفضل.

*نقلا عن صحيفة "الوطن" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.