رفيق الحريري الآن

شادي علاء الدين

شادي علاء الدين

نشر في: آخر تحديث:

يبدي أعداء مشروع رفيق الحريري حرصا كبيرا على تجديد الاغتيال في كل مناسبة تتاح لهم. يتمادون أكثر مع كل محاولة جديدة، ويتفنّنون في محاولة منح محاولات اغتيالهم المتجددة طابعا حاسما ونهائيا. لا تكاد تمر فرصة أو مناسبة من دون استغلالها للتصويب على هذا الرجل، وعلى ذكراه وما أسس له.
يعلم جماعة الممانعة الأسدية الإيرانية، ومنتجو المجازر في كل مكان في المنطقة، أن مشاريعهم لا يمكن أن يكتب لها النجاح، من دون أن تتم المهمة التي تبدو مستحيلة، وهي إنجاز اغتيال رفيق الحريري.

يبدو هذا الرجل عصيّا على الاغتيال، وليس هذا الكلام شعرا، بل إن ما يخرجه من مغالاة الشعرية يمكن تلمسه بوضوح في ما يقوم به أعداء مشروعه حتى هذه اللحظة، فلو كان رفيق الحريري قد مات فعلا، فلماذا كل هذا الحقد الذي لا يعني سوى أن هناك موتا لم ينجز، ولا يبدو قابلا للإنجاز.

كل هذا الحقد على رفيق الحريري الذي يظهر في سياق لا يتناغم مع ما يدّعيه المحور الممانع من انتصارات، يقول إن وعي الانتصارات كان ولا يزال وسيبقى وعيا زائفا، لأنه غير متصل ببناء مستمر قادر على النمو والتطور انطلاقا من قوة الفكرة والمشروع، وإنه مهما بدا نهائيا ليس سوى لحظة تقيم في العابر، والزائل والمؤقت.

هنا يكمن الخطر الكبير الذي يمثله رفيق الحريري ولا يزال، والذي يتحدد في أنه أسّس لزمن مكتمل المعالم قابل للنفاذ من أسر اللحظة واللحظوية. لم يكن من قبيل العبث أن يسمي تياره “تيار المستقبل”، في لحظة كانت جلّ تسميات الأحزاب في لبنان تنطلق من سيكولوجيا ماضوية وتبني عليها، وكانت هذه الماضوية مرتبطة بتواريخ استمدت شرعياتها ووجودها من لحظة الحرب والدمار.

بعد انقضاء كل هذه الفترة على لحظة الاغتيال يظهر لنا أنها كانت مجرد مرحلة من مراحل حياة رفيق الحريري، لأن الرجل لا يموت إلا بموت مشروعه. لعل كل ما يقال عن انهيار مشروع الاعتدال وتفكّكه وصعود النزعات الطائفية وغلبتها التي تعني أن لا دور مستقبليا لتيار المستقبل، تدحضه وتخفف من قدريّته وقائع تقول إن العالم كله يستنجد بالاعتدال الآن لدحر التطرف، الذي كان تعاميه عنه من أبرز الأسباب التي سمحت بنموّه وتطوره.

أمر آخر تجدر الإشارة إليه في ذكرى الحريري يتعلق بالعناوين التي تفشّت في نفوس الشعوب العربية إثر الإعلان عن عاصفة الحزم، فلقد تزامن انطلاق عاصفة الحزم مع شعور عام في وسط شعوب المنطقة بعودة عنوان العروبة إلى الواجهة كمحدد عام لسيكولوجيا الجماهير، وهو عنوان متصل بإسلام منفتح، ومناهض للإسلاموية، ومتصل بالزمن، والهوية والتراث.

رفيق الحريري كان ولا يزال علامة ناصعة ومميزة في تاريخ وعي العروبة لذاتها، والصورة الأكثر قدرة على إنتاج حضور عربي عابر للحدود. كان حضوره في أيّ مكان يستحضر صورة ذلك العربي المسلم المتصل بالزمن والحداثة، والتي لا يمكن أن تلتصق بها صور التطرف والإرهاب التي نشهد صعودها حاليا.

كان هذا الرجل وحده حربا متواصلة وشرسة ضد الإرهاب، حيث أن دوره وثقله، كان قادرا على تشكيل حالة متنامية وتفاعلية من التنمية، والتسويات، والتوازنات لا تترك مجالا للفكر المتطرف ليجد أرضا خصبة يبني عليها مسرح مجازره ورعبه.

الآن وفي لحظة بات فيها انتزاع الشرعية في العالم لا بد له أن يمر من بوابة الحرب على الإرهاب التي ضاعت مفاهيمها، حتى باتت إرهابا موازيا يتحالف مع الإرهاب الذي يحاربه. الآن وفي هذه اللحظة تحديدا تبرز أهمية ومشروع رفيق الحريري الذي كان يؤمن أن درهم وقاية خير من قنطار علاج، وأنه علينا مكافحة وجود الداء وليس شراء الدواء بأثمان باهظة الكلفة.

*نقلا عن صحيفة "العرب" اللندنية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.