التسامح في المجتمع الإماراتي

عمار علي حسن

نشر في: آخر تحديث:

تعد قيمة «التسامح» في المجتمع الإماراتي ميزة بقدر ما هي عبء، ووعد بقدر ما هي تحدٍّ، فالميزة فيها أنها مسار وإجراء يسهم بطريقة خلاقة في إدارة التنوع بما يخفف من أي احتقان، ويعزز السلم المجتمعي بما يقود إلى الاستقرار. أما العبء فيتعلق بما على الإمارات أن تبذله من جهد جهيد، على مستوى الخطاب والممارسة، كي تبرهن دوماً على أن ما سلكته على طريق التسامح ليس مظهراً عابراً، ولا سداً لذرائع، إنما هو نهج وطريق حقيقي لا بد من المضي فيه، مع توسيعه وتعميقه طيلة الوقت.

كما أن التسامح وعد لأن كل من في الإمارات، مواطنين ومقيمين، يعول على هذا المسار في تحسين فرصه في حياة أفضل، مع تعزيز قيم المساواة والحرية والعدالة والكرامة، وهي من القيم الأساسية المؤثرة على التسامح، بل والمكونة له. وهو تحدٍّ لأن الإصرار عليه يفرض على الإماراتيين، حكومة وشعباً، بذل طاقة دائمة في سبيل نبذ كل أشكال وأنماط التعصب والنبذ والكراهية، التي هي من الأمراض الاجتماعية الخطيرة.

وحين أعلن في العاشر من فبراير 2016 عن تشكيل وزارة لـ«التسامح» في دولة الإمارات العربية المتحدة، عقدت الدهشة ألسنة كثيرين متسائلين: وهل «التسامح» يحتاج إلى وزارة؟ وتصور البعض أن هذا محض «قلادة زينة»، أو فكرة غريبة جاذبة يمكن استخدامها كدعاية لتحقيق أغراض أخرى. ولم تدرك إلا قلة أن هذه المسألة تمس عصب الدولة، ووجودها واستقرارها، بالنظر إلى هذا التنوع البشري الذي يحتاج دوماً إلى ابتكار وسائل للتعامل معه، بما يجعله مصدر ثراء، لا مبعث شقاء، في عالم استيقظت فيه وتوحشت النعرات الدينية والمذهبية والعرقية علاوة على صراع المصالح المفتوح على احتمالات تضرب في كل الجهات والاتجاهات.

وقد كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، محدداً حين لخص مهمة الوزارة الجديدة في «ترسيخ التسامح كقيمة أساسية في مجتمع الإمارات»، فهو هنا يتحدث عن شيء «موجود» يراد تعميقه وتعزيزه، وينظر إليه، أو يدركه، بوصفه «قيمة أساسية»، أي لا إنكار لها، ولا غنى عنها، ولا فكاك منها، حتى لو كان هذا يثير حفيظة، أو يبعث قلق، البعض، ممن يعتقدون وهماً أن التسامح في شقه الديني، على وجه الخصوص، فيه تساهل وتفريط، متناسين صفحات مشرقة من تسامح المسلمين أيام وجود الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بينهم، يعلمهم كيف يجيرون المستجير، ويغيثون الملهوف، ويكرمون وفادة الضيف، ويحسنون إلى الجار، ويحترمون اعتقادات الناس ومذاهبهم.

لقد لاحظت خلال إقامتي في أبو ظبي لأربع سنوات، وزياراتي المتكررة للإمارات، أن «قيمة التسامح» تعلو على ما عداها من قيم، في مجتمع مركب إلى حد بعيد، ويحوي جنسيات تنتمي إلى كل دول العالم تقريباً، ومع هذا يمر كل شيء على ما يرام، قياساً بما يحدث في مجتمعات أخرى، تركيبتها السكانية أقل تعقيداً، ومع هذا تعاني من التعصب الشديد، الذي يؤدي إلى «الإكراه الاجتماعي» و«الاحتقان المزمن» ويقود إلى جرائم وفوضى في بعض الأحيان، ووقوف دائم على حواف الفتن، أو حتى الانزلاق إليها، والتردي فيها.

إن الإمارات يعيش على ترابها أناس ينتمون لما يزيد على مائتي جنسية من مختلف الأعراق والألوان والمذاهب والأديان يمارسون حرياتهم الدينية ويقيمون شعائرهم في معابدهم ويقومون بدورهم في خدمة الوطن بروح التسامح والتعاون، فمنهم العامل والتاجر والموظف والمزارع والخبير والطبيب والمهندس والمدرس والعاملين في غير ذلك من المجالات، ولعل هذا يفسر حصول الإمارات على المركز الأول على مستوى العالم في التعايش السلمي وفقاً لتقرير المنظمة العالمية للسلم والرعاية والإغاثة التابعة للأمم المتحدة عام 2014.

إن مظاهر التسامح في الإمارات منبعها النزوع إلى التدين الوسطي، وتقاليد القبيلة وقيمها، وإرث القائد المؤسس لدولة الإمارات، وبعض «القوانين» المطبقة، لاسيما التي تم استحداثها مؤخراً مثل قانون مكافحة الكراهية والتمييز، إلى جانب «سمات مجتمعات الوفرة» و«تفهم تقسيم العمل» ويسر الإدارة وحداثتها وانضباطها، والإدراك المتبادل لكل الموجودين على أرض الإمارات، مواطنين ومقيمين، من أن عواقب التعصب وخيمة، وآثار الانحياز التام للخلفيات الضيقة التي انحدر منها كل شخص مدمرة، لكن تبقى هذه المنابع في حاجة ماسة إلى ما يغذيها دوماً حتى تظل قادرة على تعزيز التسامح، وهذه مهمة قد تبدأ من الوزارة التي تم تشكيلها لهذا الشأن، لكن يجب أن تتعداها، لتنهض كل قوى الدولة والمجتمع على تحقيق هذه الفضيلة.

نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.