عاجل

البث المباشر

أرى تحت الرماد وميض نار

الذى حدث مساء الخميس أمام مديرية أمن القاهرة فى شارع بورسعيد يستحق وقفة عاجلة من الشرطة والحكومة والرئاسة والمجتمع.. وإلا فإن البديل هو مزيد من تراكم النيران تحت الرماد، وبالتالى فإن الأمر لا يحتاج إلا لشرارة بسيطة ليندفع الحريق الكبير لا قدر الله.


فى هذه الليلة قتل رقيب شرطة بسلاحه الميرى سائق سيارة ربع نقل كان تشاجر مع قريب الأمين. الرقيب فر من المنطقة، والأهالى كادوا يفتكون بقريب الرقيب.


بغض النظر عن تطورات القضية فإن ما يهمنا فيها هو خطورة المشهد الذى رأيناه ليلتها، أى تجمع من المواطنين الغاضبين يحيطون بمديرية أمن القاهرة ويريدون تسلم الرقيب وقريبه كى يأخذوا حقهم بأيديهم، بعد أن وصل إليهم ما يشبه اليقين بأن الشرطة والحكومة وكل الدولة ربما لن تنصفهم.


حتى أيام قليلة ماضية كان السؤال هو: لماذا تقبل الحكومة ممارسات بعض أفراد الداخلية التى يمكنها أن تعصف بالحكومة بأكملها.


أظن أن السؤال الصحيح الذى ينبغى أن تسأله الشرطة لنفسها الآن هو: لماذا تقبل الداخلية هذه الممارسات التى يمكن أن تجعلها تدفع ثمنا فادحا أكثر كثيرا مما حدث فى ٢٨ يناير ٢٠١١؟!


المؤكد أن وزارة الداخلية لم تأمر رقيب الشرطة بأن يقتل السائق مثلما لم تأمر بعض الأمناء بوضع أحذيتهم فوق رأس طبيب مستشفى المطرية ولم تأمر الضباط بقتل الدكتور الصيدلى فى الإسماعيلية، أو المواطن فى الأقصر، وغيرهم كثير من الحالات المشابهة، بل ربما أن هذه القيادات الحالية فى الداخلية ترفع الآن شعار «احنا هنلاقيها منين ولا منين»!!


لكن الأكثر تأكيدا أن معظم الذين ارتكبوا أعمالهم الشاذة والمنحرفة من رجال الشرطة، كانوا واثقين فى دواخل أنفسهم بأنهم سيفلتون من العقاب، أو يحصلون على عقاب وهمى مؤقت، بل إن بعضهم ربما لا يشعر أنه أخطأ من الأساس.


فى الأسبوع الماضى حذرنا كل من بيدهم الأمر من خطورة ترك قضية أطباء مستشفى المطرية تتفاقم، وقلنا ــ وقال غيرنا ــ إن مشهد الاحجاجات الجماهيرية العفوية غير المسبوق منذ ٢٥ يناير، شديد الخطورة ليس فقط على وزارة الداخلية، بل على كل الحكومة، وربما على المجتمع بأسره.
الشرطة ومعها بعض الأجهزة الرسمية تعاملت مع كل حادث على حدة وكأنه حالة منفردة ــ وحتى لو كان الأمر كذلك ــ فإن وضع كل هذه الحوادث فى سياق واحد، يحولها إلى ظواهر شديدة الخطورة.


هل فكرت الأجهزة الحكومية فى مغزى تجمع مواطنين عاديين ولسوا إخوانا أو إرهابيين، أمام مديرية للأمن تحاول الفتك بأحد رجال الشرطة، وهل حاولت هذه الأجهزة أن تربط بين هذا الحادث وما حدث أمام نقابة الأطباء؟!


بعض الأجهزة تصر على أن «الإخوان» يقفون وراء هذه الأحداث، وحتى لو صح ذلك، فإن دور الإخوان لا يتجاوز التأجيج، لكن هل اخترع الإخوان حكاية ليلة الخميس الماضى، أم أن الخطأ يتحمله فقط رقيب الشرطة الذى قرر من تلقاء نفسه أن يستخدم سلاحه الميرى ليحسم به خلافا تافها بشأن قيمة تحميل بضاعة على سيارة ربع نقل فى الدرب الأحمر؟!


أتمنى ألا تكرر وزارة الداخلية وأجهزتها ما حدث فى مستشفى المطرية، وأن تسارع ببعث رسالة لكل من يهمه الأمر بأنها جادة هذه المرة ولن تتستر على أى متهم حتى لو كان أحد أبنائها.


ما لا تريد الشرطة ومؤسسات كثيرة فى الدولة أن تدركه هو أن كثيرا من النفوس صارت مشحونة، والأسوأ أن بعض هذه النفوس لا تؤمن بالحوار، بل بالحصول على حقها بيدها.


أتمنى أن يتدبر كل من بيده الأمر بيت الشعر الشهير للشاعر الأموى نصر بين سيار الكنانى: «أرى تحت الرماد وميض نار.. ويوشك أن يكون له ضرام»!!

*نقلاً عن "الشروق" المصرية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة