مَنْ يُحال إلى القضاء؟

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

اثنان من أربعة مسؤولين كبار سابقين في الدولة أحالتهم هيئة النزاهة الخميس الماضي إلى القضاء، باتهامات تتعلق بالكسب غير المشروع والاستغلال الوظيفي، نفيا أيّ صحة للاتهامات الموجهة إليهم، فيما الاثنان الآخران لم يصدر عنهما أي تعليق حتى الساعة. وليس من المتوقع أن يكون لهما موقف آخر.
المسؤولون السابقون المتهمون هم نائبا رئيس الوزراء بهاء الأعرجي وصالح المطلك وأمين بغداد بالوكالة نعيم عبعوب، ومدير مكتب القائد العام السابق الفريق فاروق الأعرجي. صالح المطلك استشاط غضباً حال سماعه خبر الإحالة التي رأى أنّ وراءها "أبعاداً سياسية" و"منهجية تشهير"، مبرّئاً نفسه تماماً من أيّ شبهة بالفساد الإداري والمالي. عبعوب لم يبدِ غضباً مماثلاً، فقد اكتفى بنفي التهم الموجهة إليه، معرباً عن الاستعداد للمثول أمام القضاء حال تلقّيه طلباً بذلك.
لا أظنّ أنّ الأعرجيين، بهاء وفاروق، سيختلف موقفهما عن موقف زميليهما. ومن قبل شهدنا غضباً مماثلاً وسمعنا نفياً مماثلاً من عشرات المسؤولين الكبار والصغار في الدولة ممن وُجِّهت إليهم اتهامات مماثلة رسمياً أو عبر الإعلام . كلّ الوزراء منذ 2003 حتى اليوم وكل النواب منذ الجمعية الوطنية حتى الآن، وكلّ وكلاء الوزارات ورؤساء المؤسسات والهيئات والمدراء العامين والمستشارين والمفتشين العموميين والمحافظين وأعضاء مجلس المحافظات، أبرياء من كل تهمة، بل من كل شبهة بالفساد الإداري والمالي، ومن أيّ نوع آخر .. كلّهم من دون استثناء بأخلاق الأنبياء، وكلّهم من دون تمييز بنفسيات الملائكة.. إنهم عسل مصفّى من كلّ ما يدنّس ويلوّث .. جباههم المحروقة من أثر السجود تشهد، وأصابعهم المزدانة بالخواتم تشهد، وعمائم مَنْ يعتمر منهم العمائم تشهد.
وماذا،إذاً، بخصوص مئات مليارات الدولارات المفقود كل أثر لها في خزينة الدولة ، وفي كلّ أنحاء البلاد؟!
بالطبع، لم تنشقّ الأرض لتبتلع هذه الثروة الطائلة، ولا نزلتْ "براق" من السماء لتحملها على ظهرها وتقفل راجعة بها إلى أعالي السماوات.. ومادام الوزراء والنواب والوكلاء والمدراء العامون ورؤساء المؤسسات والهيئات "المستقلة" والمستشارون والمفتشون العموميون والمحافظون وأعضاء مجالس المحافظات، ومن لفّ لفّهم جميعاً، أبرياء من كل تهمة وشبهة، فليس سوى نحن، الشعب، مَنْ "فرهَدَ" هذه الثروة، مثلما "فُرهِدت" أموال اليهود وأملاكهم قبل أكثر من 60 سنة، ومثلما "تُفرْهَد" اليوم عقارات المسيحيين وسواهم من جانب متنفذين في السلطة وميليشياتهم .. نحن المسؤولون عن تبديد مئات المليارات هذه، وليس علينا إلا أن نلزم الصمت فلا ننبس ببنت شفة شكايةً أو احتجاجاً .. علينا أن نلهج بالحمد والشكران ،لأنّ أهل السلطة لم يلقوا بنا في السجون .. بل علينا أن نندّد بما تقوم به هيئة النزاهة من إحالة مسؤولي دولتنا ذوي الأردان الطاهرة والأذيال المطهّرة إلى القضاء وتوجيه الاتهامات إليهم بالكسب غير المشروع واستغلال النفوذ والمنصب الوظيفي، ظلماً وجوراً وعدوانا...
علينا المطالبة بتقديم أنفسنا إلى القضاء!!

* نقلاً عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.