عزلة العالم "الأول"

إكرام اليعقوب

نشر في: آخر تحديث:

لم يجد الرئيس الأميركي باراك أوباما ساحة محايدة للحرب أفضل من إشعال أوراق صحفية مهترئة قبالة "الأتلنتك" لتمرير أهم رسائله السياسية المتأخرة، والتي كانت محدثاتها أشبه بالاستماع لجلسة تنويم مغناطيسي علني لأكثر رئيس غامض سكن البيت الأبيض.

حرب المصارحة الساخرة التي قادها الرئيس الأميركي الحالي وإن اتسمت بالقسوة المباغتة، إلا أنها مهمة ومفيدة للمتلقي العربي بالتحديد في التوقيت والمضمون. فبالرغم من صدمة الساحة العربية التي لا تزال تتمتم بمبدأ سيادة القوة المطلقة في العالم وانحيازها لها، كشف لنا أوباما بنفسه أن توجهاته الأخيرة خلال فترة ولايته ساهمت بتأطير هذا المبدأ عندما خلط الأوراق وبدل الأدوار الكلاسيكية، لينقل بذلك النهج الأميركي من الإمبريالية المهيمنة على النظام العالمي نحو الانعزال والانكفاء بالذات في أكثر من مشهد.

مبدأ الانعزال والمعروف بـ"isolationism"، ليست بالحيلة الجديدة لتمكين صيانة الوتد الأميركي من منعطفات السياسة الخارجية. فمنذ بداية عشرينيات القرن التاسع عشر وتحديداً خلال ولاية الرئيس جيمس مونرو عام 1823، دأبت الإدارة الأميركية على الالتزام بحماية مصالحها في الداخل والذي ساهم بنشأة ورواج المدرسة الانعزالية في السياسة الأميركية مقابل التوسع الأميركي في الخارج، والذي ظهر فيما بعد خلال مرحلة متقدمة عندما تطور المبدأ ليشمل حماية المصالح الأميركية خارج حدودها مع ازدهار التجارة الدولية والانفتاح العالمي اقتصادياً.

أوباما، لم يخطئ، عندما وضح للجميع أنه كان يميل لمنهج الانعزالية طيلة فترة ولايته أكثر من الإمبريالية لأنه على قناعة أن ثقل وهيمنة الإدارة الأميركية سيتلاشى إن لم تقف أميركا في محطة ما لاستجماع قواها. وأكد في أكثر من موقف أنه تأرجح بين الخيارين، والذي كان أصعبها التعامل مع الملف السوري، والذي رجح في نهاية المطاف كفة الانكفاء لتعزيز الداخل الأميركي أكثر من تقديمه للجيش الأميركي فدية يلطف بها الأجواء بمعترك الصراع في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد فشلها في العراق وأفغانستان.

خطأ أوباما الوحيد أن المصارحة جاءت متأخرة كثيراً وغير موضوعية، حيث جاء انعزاله المفاجئ للساحة السياسية بدون تهيئة أطراف فاعلة لملء هذا الفراغ، وهو ما مهد لوجود فجوة غير مدروسة تبرعت الجماعات المتطرفة بملئها، كما هو الحال في أفغانستان والعراق وحديثاً في سوريا عندما فهمت روسيا أن الانكفاء وعدم التدخل الأميركي هو دعوة مفتوحة لها بالتقدم وملأ المكان الشاغر، وهو ما يشكل أيضاً فرصة ثمينة لبوتين لاسترجاع أمجاد روسيا في الشرق الأوسط التي ذهبت هباء أيام السبعينات. وليؤكد من خلال قراره أيضاً أن الشرق الأوسط لم يعد ذا أهمية للمصالح الأميركية، وحتى إن كان، فالتدخل الأميركي سيكون مكلفاً جداً لإحداث فرق بسيط في معادلة معقدة. لذلك كان على أوباما توجيه شهية روسيا، الصين وإيران اتجاه حروب طاحنة لن تستطيع أميركا خوضها، ولن تصل بتلك الدول المتنافسة فيما بينها لأي نتيجة أيضاً.

لكن على أوباما، الذي بدا منزعجاً من الحمل الذي يشكله "الركاب المجانيون" على ظهر الإدارة الأميركية، على حد قولة، والتي قصد بها حلفاءه الأصليين، أن لا يتجاهل كل الأدوار المشتركة التي خاضتها دول الخليج مجتمعة سواء خلال حرب الخليج أو لرعاية المصالح الأميركية الاقتصادية في المنطقة العربية، والتي لم تبخل بالمساهمة بدفع فواتيرها التريليونية إيماناً بالدستور الأميركي ومبدأ السلم العالمي المشترك.

اللغز الأميركي، الذي انكشف أخيراً للأسف، ما هو إلا تشبث أوباما بالمبادئ التأسيسية لأميركا القديمة، والتي عادة ما تُسخر بإتجاة هدف معين، مثل جون آدم الذي نادى بالحرية داخل أميركا ولم ينجرف نحو إغراءات السيطرة خارجياً أو التوسع. فأميركا القديمة المتدينة نوعاً ما، لم تكن مفتونه بالبحث عن معارك في الخارج أو أعداء لهزيمتهم.

وهو ما يفسر أيضاً النصيحة المبطنة التي وجهها أوباما لخصومة ولأصحابه الفرضيين من العرب عندما قال "إنهم جميعا يرتكبون نفس الخطأ عندما تتمكن منهم القبلية، الأصولية، والطائفية، والتي ستنصهر جل تلك العوامل لإحداث خلل أكبر، أي حتمية خسارة جميع الأطراف إن لم تصل جميعها لنقطة إلتقاء، لذلك ما المانع أن تبحث روسيا، والصين، وإيران عن مجد زائف في الوقت الذي ستحافظ فيه أميركا على قوتها لوقت أطول، بالتزامن مع قدرتها على ممارسة دورها الثانوي في التنسيق بين جميع الأطراف.

هنا تكمن الرسالة الأميركية والتي سيدركها الجميع بعد سنوات من الأن، أن أوباما وهو يخطو خطوات قريبة خارج البيت الأبيض على ثقة بتأييد الشارع الأميركي له، وهو المهم بالنسبة لشخص تنظيري مثله أكثر من كونه قائد وملهم. وهو على يقين أيضاً أن التاريخ الأميركي سيكرمه مرتين، الأولى لإنجازات إدارته في الملف النووي مع إيران، وقدرته على تحويل خصومة لحلفاء من خلال الاستثمار الاقتصادي في الأعداء والثانية لمصالحته مع كوبا، بعد نصف قرن من التوتر. بل وربما يحرز تقدما بالتفاهم مع روسيا حول الملف السوري دون الحاجة لتلطيخ يده بدماء الحرب هناك.

تلك هي المصالح الجوهرية التي يتباهى بها الدستور الأميركي والدين أيضاً على حسب قول محللين سياسيين في أميركا، والتي يأتي الصلح مع العدو من أهمها، أما بالنسبة للشرق الأوسط الصديق فلم تكن ضمن أجندات الإدارة الأميركية طيلة الـ8 سنوات الماضية، لكنها أصبحت منذ اليوم من مهامنا ومن أولوياتنا جميعا.

* إكرام اليعقوب، كاتبة سعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.