مع السيّدة فيروز فى بيروت.. لايزالُ عندنا أمل

أحمد المسلماني

أحمد المسلماني

نشر في: آخر تحديث:

التقيتُ السيّدة فيروز فى الجامعة الأمريكية فى بيروت.. كنتُ مع الدكتور أحمد زويل.. لحضور حفل تسليم الدكتوراة الفخرية.

جلس المهندس إبراهيم المعلم ومعه السفير حسين ضرار.. فى الصفوف الأولى بالقاعة الرسمية. وحين وصلتُ إلى مقعدى قالا لى: سألنا عنكَ قالوا لنا.. إنك تجلس مع فيروز.. كيف وجدتَها؟

(1) كان من حظّى أنى جلستُ مع الفنانة العربية الكبيرة السيدة فيروز.. أثناء الاستعداد للحفل المهيب.. كان الدكتور «أحمد زويل» والأمير «كريم الأغاخان» والكاتب «غسان توينى».. يتابعون مراسم الحفل.. من الزىّ الرسمى إلى ترتيب الكلمات.. إلى مواكب المرور.. وغيرها من الطقوس الدقيقة والتقاليد الصارمة لمثل هذه الاحتفالات الرفيعة.

جلستْ السيدة فيروز حتى تنتهى الاستعدادات قبل الرسمية.. وجلستُ معها.. أسمعُ وأرى.

(2) جلستْ فيروز فى شكلٍ هندسى ثابت.. وبلا حركة تقريبًا، كأنها تلتقط صورةً جادّةً، أو أنّها خرجت من لوحةٍ فنيّة قبل قليل.

كانت فيروز فى ذلك الصيف من عام 2005 حديثَ بلادها.. هى «الحديث الدائم» لأنها فيروز، وهى «الحديث الطارئ» لأنّها أول صوتٍ فى العالم يحصل على الدكتوراة الفخرية.. وأنّها التى طالما وقَفَتْ على خشبة المسْرح مع فرقتِها.. تقفُ اليومَ فى حرم الجامعة إلى جوار «أحمد زويل».

(3) جلستُ مع «فيروز» وهى لاتزال على هيئتها.. الوقار الذى يقاربُ الجمود.. وبَدَا الحديثُ بيننا يحمل الكثير من ملامح الملل.. ولقد وصفتُ الدقائق الأولى فى جلستى مع فيروز فى مقالى الذى نشرتُه فى «الأهرام» عقب عودتى من لبنان: «كان الحديث فى بداياته.. مملاًّ.. إلاّ قليلاً. تحدّثتْ فيروز وكأنها تقرأ من ورقةٍ كُتِبت لها.. كل إجاباتها كلمة أو كلمتين، وكل مشاركاتها جملة أو جملتين».

(4) ثم جاء «غسان توينى».. وما إن ظهر الصحفى اللبنانى الكبير.. حتى تحدثّتْ فيروز.. وما إنْ واصَلَ الحديث.. حتى ضحِكت فيروز.

انتهتْ الصورة الهندسية تمامًا.. وأصبحت حركة فيروز فى كل اتجاه.. وتواصلتْ الضحكات والقفشات دون انقطاع.. وبعد أن كانت فيروز تتحدث كلماتٍ قليلةٍ نصفها من حروف الجرّ.. صارتْ تروى نكتًا ومواقفَ طريفة.. وأحداثًا فى حياتِها وحياةِ الآخرين.. ضحكت «فيروز» أكثر ممّا تكلّمتْ، وتكلّمت أكثر مما توقّفتْ.

(5) إنّ الوجه الإنسانى من «فيروز» رائعٌ بلا حدود.. ولكنّه لا يظهر إلا مراتٍ فى كلَّ الحياة.. ولا أظنُّ أن أحدًا رأى هذا الوجه إلا قليلا.

روتْ لنا فيروز قصصًا طريفة عن المواقف التى تواجهها حين تتحدث إلى أصدقائها ومعارفها عبْر الهاتف.. وكيف يعتقد من يردُّون على مكالماتها أنها شخصية طفيلية تنتحل اسم فيروز. وكان من بين ما روتْ.. هذه القصة الطريفة:

كانت فيروز فى زيارة الصين، وأرادت الاتصال بصديقةٍ لها فى بيروت.. لأجل التسلية وقتل الوقت.

كانت الصديقة قد استعانتْ بعاملة منزل جديدة، وكان من حظّ «فيروز» أن العاملة الجديدة قد ردّت على الهاتف.. وسألتها عن اسمها. فقالت: أنا فيروز. قالت العاملة: أىّ فيروز؟ هل تظنين نفسك السِّت فيروز؟.. أجابت: نعم أنا الفنانة فيروز. قالت لها ساخرة: ومن أين تتصلين؟.. قالت فيروز: أتصل من الصين. ردّت العاملة: تقلدين صوت فيروز.. وسكتْنا.. ولكن أن تقولى أنكِ تتحدثين من الصين.. فهذا لا سكوتَ عليه. ثم أغلقتْ الهاتف فى وجهها!.

(6) فى واحدةٍ من نوبات الضحك.. جاء أستاذ جامعى فلسطينى يعيش فى الولايات المتحدة.. وقال لفيروز: لقد حضرتُ لكِ حفلةً كنت تغنّين فيها عن القدس.. وقد سالتْ دموعى ودموع الحضور مما سمِعنا.

تأثّرنا لما قال.. ولكن «غسان توينى» قال مازحًا: كنّا نبكى لأنّه كان عندنا أمل. ردّت فيروز: «ولا يزال عندنا أمل».

(7) إن «فيروز» هى عنوان «صناعة الأمل».. أو هى بتعبير الجامعة الأمريكية فى بيروت «العمود السابع لهياكل بعلبك الأثرية».

وحدها فيروز.. حازتْ على الإجماع فى لبنان.. وحدها حظِيتْ باحترام وطنٍ شهِد – ولا يزال يشهد – حربَ الكلّ ضدّ الكلّ. وأذكر أننى حين ذهبتُ – عقِبَ الحفل – مع الدكتور أحمد زويل لتقديم واجب العزاء فى استشهاد الرئيس رفيق الحريرى.. والتقيت سعد الحريرى وفؤاد السنيورة.. بحضور السفير حسين ضرار.. قال الدكتور زويل للحريرى: إن تجربة ماليزيا قريبةٌ من لبنان فى قضية الطائفية.. ويمكن التأسِّى بها فى بناء الدولة. قال الحريرى: «المشكلة فى لبنان هى عدم إقرار كل اللبنانيين لشخصٍ واحدٍ، أو فكرٍ واحدٍ، أو سلطةٍ واحدةٍ، كما حدث فى ماليزيا. إنّ مهاتير محمد قال لوالدى: إنكَ تحتاج إلى نوعٍ من الإقرار والتسلّيم.. ولكن لبنان لا يسلِّم كلُّه لك».

(8) إن لبنان بكامله يسلِّم لفيروز.. كل اللبنانيين يتنازعون على السيادة.. ولكنهم يسلِّمون بسيادة فيروز. وحين جرى الهجوم على فيروز من قِبَل بعض الصحافة.. قالت وزارة الثقافة اللبنانية: «هذا اعتداءٌ على أحلامِنا وذاكرتنا.. لنتركْ فيروز فى عليائها.. ونظل نحنُ فى أمورنا العاديّة».

ثمّة من يحاولون «تسييس فيروز».. لتكون مع فريقٍ ضد آخر.. ومع كتيبةٍ ضدّ أخرى.. ولكن فيروز لم تفعل.. ولقد أحسنتْ ابنتُها «ريما الرحبانى» حين قالت: «محاولات تسييس فيروز كلها فاشلة».

(9) أتذكّر دومًا لقائى مع فيروز.. لأجدّد الثقة فى قدرة «القوة الناعمة» على ترميم انكسارات «القوة الصلبة».. وقدرة «صوت الحضارة» على تجاوز «صوت الرصاص».

فى وقتٍ تعانى فيه العروبة من التحالف الدولى للدماء.. ويعانى فيه المستقبل من التحالف الدولى لليأس.. أتذكر صوت فيروز: لا يزال عندنا أمل.

فى وقتٍ تتحطِّم فيه منازلُ الجيران.. تشتدُّ الحاجة إلى.. جارة القمر.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر

نقلاً عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.