عاجل

البث المباشر

يوم احتفى بنا الرئيس السادات

فى الساعة الواحدة والنصف من صباح يوم ٣ سبتمبر ١٩٨١، دق جرس باب شقتى بمساكن الجامعة بأسيوط.. كان الطارق ضباط مباحث أمن الدولة.. جاءوا لإلقاء القبض علىّ، تنفيذا لقرار الرئيس الراحل أنور السادات بالتحفظ على ١٥٣٦ من رموز العمل الدعوى والسياسى والوطنى فى مصر.. قاموا بتفتيش المكتبة بغرفة المكتب، حيث أخذوا بعض الكتب.. بعدها انتقلت معهم إلى قسم أول أسيوط، ثم مديرية أمن أسيوط، حيث تجمع عدد من شباب الجماعة الإسلامية واثنان من الإخوان؛ أنا والأستاذ أحمد فاضل، مسؤول الإخوان بأسيوط آنذاك..

ظللنا حتى الصباح، وفى الساعة السابعة والنصف، جاءت سيارة الترحيلات.. تمت كلبشتنا؛ كل اثنين فى كلابش.. ألقى بنا فى السيارة السيئة، التى انطلقت بنا حتى وصلنا إلى سجن استقبال طرة فى الساعة الرابعة عصرا.. أخذت منا أوراقنا الخاصة إضافة إلى النقود، ثم أودعت بالزنزانة ٩ فى الدور الثالث.. ومن العجيب أن يشير الرقمان إلى يوم مولدى وهو ٣/٩، الذى يوافق ذكرى ثورة ١٩، واستشهاد المقاتل العظيم الفريق عبدالمنعم رياض على الجبهة بين ضباطه وجنوده، ووفاة شيخنا وعالمنا الجليل محمد الغزالى.. كان السجناء من كافة فصائل الحركة الإسلامية؛ إخوان، جماعة إسلامية، جهاد، سلفيين، تكفيريين، فرماوية.. إلخ، ولم يكن توزيع السجناء فى الزنازين طبقا لأفكارهم أو فصائلهم، بل كان تبعا لورودهم إلى السجن من محافظاتهم، وهو ما جعل الزنزانة الواحدة تضم أكثر من فصيل.. كان يودع بالزنزانة ١٠ أفراد، وهى حوالى ٣ فى ٣ أمتار مربعة، مطلية بالزيت، بها نافذتان عاليتان، وبابها ثلاثة أرباعه مغلق والباقى العلوى بأسياخ من الحديد، وأهم شىء يميزها هو أنها تضم دورة مياه «بلدى» وحوضا وصنبورا.. قامت إدارة السجن - لأول مرة فى تاريخ السجون المصرية - بتوزيع مراتب «تاكى» علينا..

بعدها أنعمت علينا ببطاطين جديدة فى حالة جيدة.. صحيح أنها نزعتها منا أثناء ترحيلنا إلى ليمان أبى زعبل فى ٢٨ أكتوبر ١٩٨١، أى بعد اغتيال السادات، لكن يكفى أننا استمتعنا بها شهرا على الأقل.. الإفطار والعشاء - كما هو معلوم - فول وجبن، أو شوربة عدس وجبن.. لكن وجبة الغداء عبارة عن أرز وخضار وأصابع كفتة، إضافة إلى فاكهة الموسم وكانت فى تلك الفترة عنبا.. نعم كان الخضار مأكولا قبل أن يأتينا، لكنه على أية حال فيه نكهة الخضار.. كان معى فى الزنزانة ٦ من جماعة التكفير والهجرة بالدقهلية، ٢ من الجماعة الإسلامية بأسيوط، و١ من جماعة «اللاجماعة» من الدقهلية.. بدأت المشكلة مع جماعة التكفير عندما أردنا أن نصلى جماعة.. قالوا: نحن لا نصلى خلفكم (على اعتبار أنهم يكفروننا).. قلت: إذن، نصلى نحن خلف واحد منكم.. وانتهت المشكلة..

كنا فى عزلة عن العالم، إذ لم يكن مسموحًا لنا بأى شىء؛ راديو ترانزستور، أو جريدة، أو قلم، أو أوراق.. أرادت مجموعة التكفير أن تدخل معنا فى مناقشات، وكان من الممكن أن تكون بناءة ومثمرة، لكن طريقة القوم لم تكن مشجعة بالمرة.. ظللنا ١٧ يوما الأولى لا نغادر الزنزانة.. كانت تمثل بالنسبة لى أيام المعاناة، ليس لسبب سوى وجودى فى زنزانة واحدة مع مجموعة التكفير.. فأن يسجن الإنسان مع أناس لا يتفقون معه فى الفكر والتوجه، هو العذاب بعينه.. كنت عندما أقرأ توعد النبى سليمان (عليه السلام) للهدهد بسبب غيابه، حيث قال: «لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين» (النمل: ٢١)، أقول كنت أتساءل: قد علمنا الذبح، فماذا يكون العذاب؟ هل ينزع عنه ريشه؟ قال الطبرى فى تفسيره: يضعه مع فصيلة غير فصيلته، أى مع غربان، أو صقور، أو غير ذلك.. فى اليوم ١٨ بدأت الزنازين تفتح، لكن على التوالى، بحيث يأخذ سجناء كل زنزانة ٥ دقائق للتريض فى «الكوريدور» أمام الزنزانة.. ولا يفتح للزنزانة الثانية إلا بعد دخول سجناء الزنزانة الأولى إليها، وهكذا.. وفوجئنا بسجناء بعض الزنازين - بعد قضائهم الدقائق الخمس الخاصة بهم - لا يريدون العودة إليها، بحجة تدعو إلى الضحك والسخرية وتمثل قمة الاستهبال، وهى أنه يستحيل عليهم أن يقوموا بسجن أنفسهم (!). وللحقيقة نقول إن إدارة السجن أثناء فترة السادات كانت تتعامل مع الجميع بصبر وتحمل، ولم يكن يصدر منها ما يسىء، غير أن الأمر تغير تمامًا بعد اغتيال الرجل فى يوم الانتصار العظيم فى ٦ أكتوبر، وللحديث بقية إن شاء الله.

* نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات