أحمد الخطيب.. وكلام الحكيم

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

في مقال نشره الدكتور أحمد الخطيب، في صحيفة الجريدة يوم الأربعاء 16 مارس الجاري، أشار وبقوة إلى ضرورات المشاركة في الانتخابات النيابية القادمة، ناصحاً الشباب باختراق الحصار والترشح اقتحاماً للأسوار القبائلية والطائفية التي شيّدتها منافع العضوية في البرلمان.

يظل د. أحمد الخطيب وهجاً متدفقاً في الميدانين السياسيين الكويتي والعربي، وصحبته الوفية للدستور محفورة منذ بداية الحياة النيابية، بإدراك أن الدستور حامي الوطن سياسياً وعامل استقرار وأمان، وخصم للطائفيات والقبليات داخلياً، والوعاء الضامن للشباب مستقبلاً.

بهذه الروح يقدم نصائح التجربة وخلاصة المسيرة بأن السياسة لا تأخذ بخواطر «الزعلانين»، ولا تهتم باسترضاء «الحردانين» من المطالبين بإجراء تغيير في التصويت لكي يتم رفع المقاطعة، فالحياة في السياسة مثل الوجود الكوني لا تراعي المزاجات، فالدنيا تستمر بكل ما فيها من اختلافات وتعدد الاجتهادات، وقد أثبتت التجربة أن من يبني الآمال على وهم التراجع عن الصوت الواحد يضيع وقتاً، وربما يندم على تفويت فرص للإصلاح العام وبما يفيد الكويت.

الواقع السياسي يحتاج إلى ترميم جوهري في ثلاثة مجالات، أشدها خطراً تعظيم المنافع لبعض النواب، سواء مباشرة بالشرهات التقليدية أو بأسعار التصويت، بالإضافة إلى تحصين الموقع الانتخابي للنائب بتسيير حاجياته في دائرته لضمان البقاء. وثانيها؛ الساتر القبلي الذي يرسخ تواصل نجاح نواب القبائل بكل ما يحرصون عليه للحفاظ على سلامة هذا الساتر. وثالثها؛ تكريس قوائم الانتماءات، سواء المذهبية من سلف وإخوان وغيرهما، وشيعة بمختلف أطيافهم من دون تغيير مؤثر يؤدي إلى تبدلات في الوجود والمواقف.

ومن المؤكد أن دعوة الدكتور الخطيب للشباب للالتحاق بالانتخابات تأتي من حقائق أشعر شخصياً بضرورة إبرازها:

أولاً – دستور الكويت عقد تاريخي عابر للطائفية وللقبيلة وللفئوية، وثيقة أمن واستقرار جاءت من توافق سياسي واجتماعي ضامن للولاء العام، فيه مرونة التطوير والتغيير، وفق قناعة شعبية جماعية، ولهفة الدكتور الخطيب للحفاظ عليه واحترامه وليدة ثقته وثقة الآخرين بقدرة الدستور على تضبيط الأمن السياسي الجماعي في الكويت.

ثانياً – ما زلت من المقتنعين بأن الصوت الواحد يتيح لمن لديه الكفاءة صاحب الطموح السياسي، والمتسلح بالتصميم، فرص الالتحاق بالميدان السياسي من دون معاضدة، من انتساب قبلي أو طائفي، في اعتماد المرشح على توثب الشباب والرغبة في الانسجام مع العصرنة وقواعدها وحرصهم على الرقي بالعمل البرلماني.

ثالثاً – ضاقت فرص التغيير، إن لم تكن انعدمت، بعد قرار المحكمة الدستورية العليا بتثبيت الصوت الواحد، بما يتوافق مع مبادئ الدستور، ولا أجد تأثيراً لقرار اللجنة التشريعية في المجلس الذي اتخذته بالدعوة لصوتين، ما عدا ما يأتي في إطار التمنيات.

رابعاً – تظل الكويت بحاجة إلى نوع آخر من الجينات البرلمانية التي تتواكب مع ما يدور في هذه المنطقة، وما يحصل في عالم اليوم بربط الحياة النيابية الكويتية بالتوجهات العالمية في الانفتاح والاقتطاف وتشييد علاقات مع الحضارات المختلفة، واستلهام الخصوصية الكويتية في تشكيل صداقات دولية لا تستغني عنها الكويت التي تكبر متانتها مع اتساع التحالفات والصداقات العالمية.

تقترب نهاية دورة البرلمان الحالي، مع الأمل بأن تتميز دورة المستقبل بانخراط أعداد من الشباب الواعد الذي تعب من عقم النهج التقليدي، والمتحمس للانطلاق، والرافض لجمود الحاضر والمتقبل للتجديد.. فشل المجلس في فرض سيادة القانون، وتعميق مفهوم المواطنة، وهما أبرز قواعد الدولة المدنية الحديثة، بينما يندفع النواب لندوة عدم الاختلاط، في مؤشر تجاهل النواب لشروط الدولة الفاعلة.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.