جورج طرابيشي المفكر الراحل بلا ضجيج

هاني نسيرة

نشر في: آخر تحديث:

لم يكن جورج طرابيشي، الراحل عن عالمنا في 17 مارس الجاري، مفكرا معرفيا نقديا متميزا فقط، لكنه كان رحلة من التميز والعطاء، متعددة المحطات، منذ انتمائه المبكر للفكر القومي العربي، مع ياسين الحافظ وغيره، إلى محطته الماركسية التي تحولوا إليها، وقاده إليها سارتر الوجودي الماركسي، وترجماته وجهوده في النقد الأدبي، حتى مرحلته الأخيرة في النقد المعرفي للعقل العربي والإسلامي.

ضد الإجابات الجاهزة والمقولات السحرية:

في قدرته على النقد الذاتي وعلى تطوير المقولات ظل طرابيشي- وما آثاره من جدل- أحد أبرز المدافعين عن المعرفية في مواجهة العقدية والجمود، والعلمية في وجه الحتميات والحبائس الإيديولوجية المصمتة، وظل مخلصا بالعلمانية والديمقراطية كشرط إنساني للتقدم والنهوض والحياة، كان يتحرك بحس مناضل نقدي سلاحه القلم وذخيرته المعرفة وروحه وأنفاسه النقد المعرفي والعلمي القادر على تمحيص المصادر وقلب المقولات ونحت مقولات جديدة، كان ضد الصنمية والتصنيم سياسيا ومعرفيا، ماضويا وآنيا! من هنا آمن بالإنسان وكتب كتاباته النقدية المبكرة عن أدب الرجولة والأنوثة، وعن التحليل النفسي، وترجم فرويد كاملا، وتأثر بالوجودية، وكذلك بالوضعانية، كما حاول- كما حاول صديقه وأستاذه ياسين الحافظ- تعريب الماركسية، وظلت القومية التي آمن بها وكتب لها كما ظلت الماركسية التي فهمها وأنسنها في وجهها الديمقراطي وغير الستاليني الذي ظل كارها ومعاديا له، بجوار ما استجد عنده من ليبرالية مسؤولة تعرف ما هو ثابت كما تعرف ما هو متغير، وتميز بين ما هو صحيح أصيل وما هو صحيح مزيف! وتدرك الفرق الحقيقي والمعرفي بين ما هو ثابت وبين ما هو مهتز، وفق إرادة معرفية لا تؤمن بالإجابات الجاهزة أو الأنساق المتعالية، آمن بالديمقراطية ورآها شرطا لوحدة العرب، كما كانت جسرا للاتحاد والوحدة الأوروبية في دراسة له بمجلة شؤون عربية في تسعينيات القرن الماضي، ولكنه اشترط لها شروطها من ثقافة ومجتمع مستعد لاستقبالها والإيمان بها، كما آمن بالوحدة العربية ولكنه انتقد كما صديقه الراحل ياسين الحافظ التجربة الناصرية في تعاليها وشخصنتها ولا ديمقراطيتها، كما انتقد وتجاوز وقطع كلية مع تراث البعث الذي اقترب منه في شبابه، ظل منتصرا للفرد وللإنسان رافضا للتفكير اليوتوبي والمتعالي للإيديولوجيات العلمانية والأصولية على السواء.

لم تكن محطات طرابيشي تحولات أو تراجعات، ولكن تكاملات، التقت في فكره ومشروعه النقدي، فتجد فيه هيجل وماركس كما تجد فرويد وسارتر وسيمون دي بوفوار وبرهييه وغارودي وغيرهم، كما يمكن أن نجد تأثرا معرفيا بالبنيوية والتفكيكية وفلسفة الخطاب عند فوكو وغيره.

جهادي من أجل المعرفة:

كان طرابيشي علمانيا، يرى العلمانية جهادا من أجل النجاح الدنيوي، نجاح المجتمعات والناس، حيث يقول: "جهاد في سبيل الدنيا كخيار بديل عن الجهاد في سبيل الآخرة، هذه الجهادية الدنيوية، التي لا نتردد في أن نقول بأنها أحدثت في مسار البشرية انعطافاً بمائة وثمانين درجة، تلبست شكل علمنة على مستويات عدة". ولم يكن إيمانه بالجهادية العلمانية إلا نتيجة لوعيه العميق بأنه لا يوجد نظام علماني في العالم العربي، وإن وجدت درجات للتعلمن وهو ما يوضحه بقوله: "لا وجود لأية دولة عربية علمانية، بما في ذلك بطبيعة الحال الدول ذات الأنظمة الدكتاتورية المشتطّة التي بات يطيب للأصوليين وللشعبويين على حد سواء نعتها بأنها علمانية، وهذا حتى يعللوا دكتاتوريتها الواقعية بعلمانيتها المزعومة ".

ربما يفسر اتساع اهتمامات طرابيشي واهتماماته، فكتب في المجالات السالف ذكرها، كما كتب في الآني، وكتب في الثورات العربية، كما كتب في الفكر القديم والحديث وغيرها، أنه لم يكن محصورا ولا مقيدا بالمؤسسة، لم يكن أكاديميا يعمل في تخصص محدد بجامعة، كما لم يكن منتظما في تبعية معينة، بل كان دائم التحليق مصرا على التوحد وتدبير المتوحد، الذي هو- حسب ابن ماجه- القدرة على استبطان الأمور باستقلالية وعمق.

من هنا كانت قدرته على النقد الذاتي، وكان رفضه للمقولات السحرية والإجابات الجاهزة، فلم ينجرف انجراف العفيف الأخضر وغيره، لتصور التدخل الأمريكي لإسقاط نظام صدام حسين سنة 2003 فاتحة عصر ديمقراطي عربي، أو تصور أن الثورة الإنترنتية كفيلة وحدها بتحقيق ربيع عربي طال انتظاره ومل استثناؤه في موجات الديمقراطية في العالم الأجمع دون هذه المنطقة من العالم..

كان نفوره من التسطيح والتسرع، كان مدققا فيما يقول وفيما يكتب في أغلب الأحيان، ويبدو أنه أدرك ذلك فكان تتتبعه لمشروع الراحل محمد عابد الجابري "نقد العقل العربي" متتبعا ثم متجاوزا في آن، نحو آفاق جديدة، ركب فيها عدته المعرفية الضخمة ومعرفته اللغوية الواسعة، وقدرته على الجمع بين المعرفة التراثية والمنهجية الغربية في آن، ولكنه ظل منحصرا كما انحصر مشروع الجابري نفسه في مباحث الكلام والتفلسف العربي والإسلامي، دون مباحثه الشغالة الأخرى الفقهية والاجتماعية حين نقده له.

لم يكن جورج طرابيشي المتطور باستمرار، والمتواضع لحد الرد على الإهانة بأدب، خاضعا لديكتاتوريات العامة، ولا ساعيا لشعبوية وجماعة ينصرونه، فكان مريدوه كما كتبه وأفكاره تبدأ منه ولا تتحلق حوله، ظل فردا بلا مؤسسة وبلا شيعة ينصرونه كما أتيح لغيره، ولكنه ظل معتبرا عند موافقيه ومخالفيه على السواء.

طرابيشي والثورة السورية:

لم يمنع طرابيشسي حذر المثقف والمفكر من تأييد الثورة السورية كما منع غيره من المبدعين السوريين، وفسر ضرورتها وهي من وصفها رياض الترك قبل اندلاع ثورتها بجمهورية الخوف، في مقال مبكر نشرته الحياة في 28 مايو سنة 2011 ورآه نظاما يمثل سلسلة من الابتلاعات، ابتلعت كل شيء، فيقول: "السيرورة التضخمية للمؤسسة العسكرية قد آلت إلى سلسلة متوالية ومتضامّة الحلقات من الابتلاعات: ابتلاع الجيش للمجتمع، وابتلاع الدولة من قبل ما بات يُعرف باسم"النظام"، ثم ابتلاع الجيش نفسه بقدر ما تمّ تحويله من جيش وطني إلى جيش"عقائدي""وبالتوازي والتضافر، ابتلاع حزب البعث نفسه بقدر ما تمّ تحويله من إفراز سياسي ? طليعي في حينه ? للمجتمع المدني إلى أداة متحكم بها لمصادرة كل إمكانية لتطور ذاتي لذلك المجتمع المدني إياه".

بل يولد من جدلية الدولة والنظام الحاكم مفهوما جديدا، حيث يرى أنهما متعارضان في الحالة السورية، فإذا شخصن النظام ماتت الدولة، وهو ما يعبر عنه بقوله: "إذ يقف النظام والدولة على هذا النحو على طرفي نقيض، وإذ تغدو الدولة مستتبعة للنظام بدلاً من أن يكون النظام عاملاً في إمرة الدولة، فلنا أن نفهم لماذا يستحيل أن يكون النظام ديموقراطياً، فلئن تكن الديموقراطية هي بالتعريف المعجمي حكم الشعب، فإنها بالتعريف القانوني تقديم سلطة الدولة المجردة، والعادلة بحكم تجريدها، على كل سلطة مشخّصة، وغير عادلة بالضرورة بحكم تشخّصها، سواء كانت سلطة فرد أم أسرة أم حزب أم طائفة. "

أين مشروع طرابيشي؟!:

كان النقد الأبرز للراحل جورج طرابيشي المولود في حلب سنة 1939 الذي سمعته ممن انتقدهم، كالمفكر الكبير حسن حنفي- أطال الله في عمره- ومن الراحل الكبير محمد عابد الجابري حين ينطرح اسمه أو مشروعه في نقد أي منهما، لماذا لا يؤسس مشروعا مختلفا بعيدا عن نقدهما ونقد غيرهما! ولكن الحقيقة أن مشروع طرابيشي كان النقد والتأسيس المعرفي المستقل، المالك لأدواته والمتجاوز لما ينتقده نحو تطوير مقولاته وليس فقط النقد التفكيكي لها على نمط اللبناني علي حرب، حيث أرى أن نقد طرابيشي كان نقدا من داخل النص وخارجه بينما ظل نقد كثيرين غيره خارج النص...

كان نقد طرابيشي المبكر لكل من الجابري وحنفي في "حوار المشرق والمغرب" والذي طوره فيما بعد وأصدره في كتابه" مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة" ثم في سلسلة نقده لمشروع الجابري التي عنوانها "نقد نقد العقل العربي" والذي صدرت منها خمس مجلدات حتى وفاته.

المعرفة والتعرف النقدي، النقد والتأسيس المتجاوز، النضال الثقافي والمعرفي، كلها سمات وعلامات مسار طرابيشي منذ عمله المبكر مترجما لمنظر ومؤسس البعث السوري ميشيل عفلق، لإدارته لإذاعة دمشق عامي 1963- 1964 ثم انتقاله إلى لبنان بين عامي 1984 حتى عام 1989 والتي تولى خلالها تحرير مجلة "دراسات عربية" ثم مجلة الوحدة، ثم انتقاله بعد ذلك إلى مقامه الأخير في باريس الذي امتد إلى ثلاثين عاما، متفرغا للكتابة والتأليف، للمعرفة والنقد.

بينما كانت مشاريع التجديد الفكري تتصاعد منذ السبعينيات، عند الطيب تيزيني ثم حسن حنفي ثم محمد عابد الجابري وغيرهم، كان نتاج طرابيشي مستمرا منذ الستينيات، التي غلب عليه فيها الالتزام القومي بجوار النقد الأدبي، فقدم دراسات مهمة عن نجيب محفوظ وعن توفيق الحكيم وعن أدب المرأة، وعن الرجولة والأنوثة في الأدب العربي، بينما غلب على سبعينياته الالتزام الماركسي شأن كثير من القوميين، فأصدر الماركسية والمسألة القومية، كما نشر عن الماركسية وسارتر والنظرية القومية والدولة القطرية وغيرها.

وفي كل ذلك لم تقف ترجماته فاهتم بترجمة جميع أعمال سيجموند فرويد، كما ترجم نصوصا مهمة لهيجل وسارتر وغيرهما، وفي الآن نفسه اهتم بنقد الفكر العربي المعاصر فقدم انتقادات مهمة لكثير من أطروحاته عند طه حسين وزكي نجيب محمود وعند ياسين الحافظ ورئيف خوري وغيرهم، وجمع بين مدارس مختلفة في جعبته فكان مبشرا بأهمية التحليل النفسي للأدب كما اهتم بالتحليل الثقافي والاجتماعي وانتقادات مقولاته، كما اعتبر في فترة منتميا للوجودية وأحيانا أخرى للوضعانية، وعرف عنه إعجاب مبكر بالمفكر الراحل فؤاد زكريا رحمه الله، وفي التسعينيات كان نشاطه وجدله المهم مع مشاريع تجديد التراث والعقل العربي عند الجابري وحسن حنفي، ولكنه كما كان الخبير في الفكر الغربي ومدارسه النقدية والإيديولوجية كان الخبير والمحقق في التراث العربي، نصوصه ومخطوطاته ونشراته وتحقيقاته، وظل هو رؤية مستقلة لا تسعى للحشد ولا تغري العوام ولا تستثير غير المعرفة أو تتحرك بإرادتها.

من هنا لم يكن انقلاب جورج طرابيشي على نفسه أو اعتذاره عن أي من مراحله، فقد تكاملت فيه جوانب مختلفة، ساعده تنوع اللغات على تنوع المعارف، وساعده جلده على الإبحار والغوص في الإشكاليات، لم يكن مستسلما لما يعرض عليه نسقا بهيا، فهو المفكر النقدي الذي رفض فكرة النسق والكلي قادرا على تفكيك جزئياته، رافضا للمقولات السحرية وللحبائس الفكرية- كما كان يقول- مرحبا وفقط بالنقد والتجاوز والإنسان في اتساعه وخصوصيته في آن، وفي تواضع احترم فيه دوما من يختلف معه ولكنه لم يستطع الخضوع له ولا مغازلة العوام من أجل ما يعتقد.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.