ماذا وراء هجوم «كيرى» على مصر؟!

مصطفى بكري

نشر في: آخر تحديث:

أحدثت التصريحات التى أدلى بها وزير الخارجية الأمريكى «جون كيرى» مؤخراً ردود فعل غاضبة على المستويين الشعبى والرسمى فى مصر، وبدا الأمر وكأن واشنطن تدفع نحو مزيد من الأزمات مع الدولة المصرية، خاصة أن هذه التصريحات تتزامن مع القرارات المعادية التى اتخذها البرلمان الأوروبى مؤخراً على خلفية مقتل الباحث الإيطالى «ريجينى»!!

لقد عبّر «كيرى» عن قلقه العميق مما أسماه بتدهور حقوق الإنسان فى مصر بزعم «إقدام الحكومة المصرية على فتح ملفات التحقيق مع بعض المنظمات غير الحكومية التى توثق انتهاكات حقوق الإنسان، على حد تعبيره».

ويبدو أن «جون كيرى» قرر الدخول فى معركة «استباقية» مع الحكومة المصرية، بل قُل مع «الشعب المصرى»، إذ تجاهل الأسباب الحقيقية وراء الإجراءات التى اتخذها القضاء المصرى مؤخراً، وراح يُنذر ويحذّر، فى تدخل سافر فى الشئون الداخلية للبلاد.

إنها ليست المرة الأولى التى تتعمد فيها واشنطن الخروج على كل القوانين والأعراف الدبلوماسية، وبالقطع لن تكون الأخيرة، ذلك أن سجلّ الإدارة الأمريكية مكتظ بهذه التدخلات السافرة دفاعاً عن هذه المنظمات والتقارير الصادرة عنها.

لقد شنت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة «هيلارى كلينتون» حملة عنيفة ضد الإدارة المصرية على خلفية صدور قرارات وأحكام قضائية ضد بعض هذه المنظمات وغيرها من المنظمات الأجنبية فى القضية المعروفة بـ«التمويل الأجنبى» عامى 2011 و2012، وساعتها وصل التهديد المباشر إلى ذروته، ولم يتبق سوى إعلان واشنطن الحرب على مصر إن لم تسمح بسفر المتهمين الأجانب فى هذه القضية.

وهكذا تأتى تصريحات «جون كيرى» لتمضى على الطريق ذاته، الأمر الذى استدعى من وزير الخارجية المصرى سامح شكرى الرد السريع والحاسم بعد يوم واحد من هذه التصريحات.

لقد تضمّن رد الوزير المصرى ثلاث نقاط هامة يجب التوقف عندها، وهى:

1- التعبير بشكل واضح عن رفض مصر للانتقادات الأمريكية حول أوضاع حقوق الإنسان فى مصر، باعتبار أن مثل ذلك الأمر هو شأن داخلى، الشعب المصرى هو الوحيد الذى يملك صلاحية تقييمه، محذراً من الوصاية والتوجيه من أى جهة أجنبية.

2- أن القاهرة تملك معلومات موثقة حول التجاوزات المستمرة لهذه البلدان فى مجال حقوق الإنسان، ويقصد أمريكا وغيرها، وأن مصر كان بإمكانها توجيه انتقادها لهذه الدول، إلا أنها لم تفعل ذلك علناً، بل اكتفت بتوجيه انتقادات من خلال القنوات المناسبة والأطر الثانوية، وهذه بالقطع رسالة مهمة ومباشرة تقول لواشنطن: «إن بإمكاننا أيضاً أن نفتح ملف الإدارة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية وتجاوزاتها فى ملف حقوق الإنسان»!!

3- أن مصر ترفض منطق الحماية العابرة للقارات لهذه المنظمات المتجاوزة، وأن دول العالم لديها قوانين تحكم نشاط مثل هذه المنظمات لحماية الأوضاع الداخلية وأمن واستقرار هذه الدول، وهو نفسه ما تقوم به مصر، منتقداً عملية التمويل الأجنبى التى لا تحكمها ضوابط أو قوانين، ولافتاً إلى أن أموال تلك المنظمات يجب أن تذهب إلى الوجهة الصحيحة، وألا تكون لمصالح أشخاص تنطوى ممارساتهم على الإضرار بدولهم، وأن يتم إنفاق هذه الأموال تحت رقابة أجهزة قضائية ورقابية مستقلة.

ويبدو أن واشنطن وغيرها من الدول المانحة لا تريد وضع هذه القواعد والاحتكام إلى القانون، بل تريد حرية مطلقة لهذه المنظمات وتمويلات لا تخضع للقانون، لأن ذلك بكل صراحة مرتبط بأهداف إنشاء هذه المنظمات التى أوجدها الغرب لتقوم بالدور البديل للجيوش النظامية الأجنبية فى إشعال الحروب وتفتيت الأوطان.

إن الجميع يدركون أن الولايات المتحدة وغيرها لا تتمتع بأى مصداقية فى الحديث عن سجلات حقوق الإنسان، داخل بلدانها، أو فى إطار ممارساتها الخارجة التى تسببت فى مقتل وتشريد الملايين فى دول عديدة، كان أبرزها أفغانستان والعراق فى أعقاب أحداث الحادى عشر من سبتمبر، ومن ثم فهى ليست مؤهلة للحديث عن سجلات الآخرين.

إن قضية «التمويل الأجنبى» للمنظمات ذات الطابع الحقوقى هى قضية أمن قومى، خاصة أن ممارسات هذه المنظمات خلال الفترة الماضية قد كشفت عن عدد من الحقائق، أبرزها:

- أن هذه المنظمات لعبت دوراً كبيراً فى تقديم معلومات وتقارير كاذبة عن أوضاع حقوق الإنسان إلى الدول «الممولة» كانت سبباً فى تصعيد الحملات ضد مصر، وتشويه صورتها أمام الرأى العام الخارجى، حيث تم توظيف هذه التقارير كسند لكثير من القرارات الدولية ضد مصر، والتى كان آخرها القرارات التى اتخذها البرلمان الأوروبى، والتى أوصت الحكومات الأوروبية بوقف المساعدات العسكرية والأمنية إلى مصر وتصعيد الانتقادات الحادة للحكومة المصرية وانتهاكها لحقوق الإنسان وفق هذه المزاعم المقدمة من بعض هذه المنظمات.

- أن هذه المنظمات خرجت حتى عن رسالتها المعلنة إلى القيام بأدوار تخريبية فى نشر الفوضى واستخدام الأموال المقدمة لتنفيذ مخططات إسقاط الدولة، وهو ما تجلى فى التقرير الذى قدمته لجنة تقصى الحقائق حول التمويلات الأجنبية التى شكّلها د. عصام شرف يوم أن كان رئيساً للوزراء عام 2011، وكذلك الحال فيما أسفرت عنه تحقيقات قاضيى التحقيق فى هذه القضية وحيثيات الحكم الصادر ضد بعض هذه المنظمات فى قضية «التمويل الأجنبى»!!

- أن عناصر هذه المنظمات تجاوزت القواعد القانونية التى ينظمها قانون الجمعيات الأهلية فى تلقيها تمويلات مشبوهة على غير القواعد المحددة فى هذا القانون، حيث يجرى استخدامها فى أغراض مرتبطة بأهداف استخباراتية خارجية ضد أمن البلاد واستقرارها، وهو ما سبق للحكومة المصرية أن حذرت منه أكثر من مرة.

ومن الواضح أن الجهات الاستخباراتية فى هذه البلدان توصلت إلى معلومات عن عزم الحكومة المصرية تقديم هذه القضية إلى النيابة العامة لبدء التحقيقات فيها، فجُن جنونها، وراحت تمارس الضغوط سراً وعلانية، لأن الأدلة التى تم التوصل إليها فى هذه القضية ستمثل «ووترجيت» جديدة لأمريكا وحلفائها وعملائها.

إن الهجمة على مصر بلغت مداها، والتقت حملات الداخل من بعض ممارسات «النشطاء» وبعض الإعلاميين مع الأصوات والممارسات الخارجية التى تستهدف الدولة والنظام على السواء، وفى كل مكان، ولا يزال الإرهاب هو العامل المشترك بين هؤلاء، وكان حادث السبت الدامى الذى استشهد من جرائه ثمانية عشر شهيداً من رجال الشرطة هو دليل جديد على أن المؤامرة تتصاعد ضد أمن البلاد واستقرارها.

وإذا كانت مصر تواجه كل هذه التحديات بعقيدة وإيمان لا يلين، فإن آليات المواجهة يجب أن تتطور، على الصعيد القانونى أو التقنى أو السياسى، ذلك أن الحرب المعلنة تتصاعد وتزداد شراسة، ولذلك فقدوا أعصابهم وقرروا الدخول فى حرب المواجهة الأخيرة!!

*نقلا عن الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.