آينشتاين ليس أهم من فرويد

أحمد أميري

نشر في: آخر تحديث:

خلصت دراسة للخبير في المجلس الثقافي البريطاني «مارتن روز» إلى أن أغلب الفئات المتعلمة التي تورّطت في التنظيمات الإرهابية جاءت من خلفيات الهندسة والطب والعلوم، وأن 44 في المئة من الفئات المتعلمة التي تم تجنيدها في‏‭ ‬الشرق ‬الأوسط ‬وشمال ‬أفريقيا ‬كانوا ‬قد ‬درسوا ‬الهندسة، ‬وأن ‬ضمن ‬المجندين ‬من ‬الغرب ‬من ‬الفئات ‬المتعلمة ‬تصل ‬نسبة ‬خريجي ‬الهندسة ‬إلى ‬59 ‬في ‬المئة، ‬وأنه ‬بعد ‬دراسة ‬حالة ‬18 ‬مسلماً ‬من ‬بريطانيا ‬تورّطوا ‬في ‬أعمال ‬إرهابية، ‬تبيّن ‬أن ‬14 ‬واحداً ‬منهم ‬درسوا ‬الهندسة ‬والعلوم.

ويعزي معدّ الدراسة التي كتبت عنها صحيفة «الغارديان» البريطانية هذه النتائج إلى فشل التعليم العلمي في تعليم الشخص التفكير النقدي بالطريقة ذاتها التي تسمح بها الحوارات والنقاشات في كليات الآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية، فالأمور هناك تُرى من منظار الصواب والخطأ، ومن ثم يقع الطلاب في مصيدة المسلمات واليقينيات والأحكام المطلقة، لا في تخصصاتهم الجامعية فحسب، وإنما في شتى مجالات الحياة، وهو ما تنشؤ عنه «عقلية الهندسة» التي تسهّل للجماعات الإرهابية تجنيدهم، وهذا ما يفسّر إلغاء تنظيم «داعش»، من الجامعات التي تقع ضمن مناطق تحت سيطرته، كليات القانون والفلسفة والعلوم السياسية والآثار والفنون الجميلة والرياضة، وكذلك الدراما وقراءة الروايات.

وأعتقد أن هذه الدراسة أجابت على التساؤل المحيّر بشأن انضمام أشخاص حصلوا على تعليم جيد ووظائف مرموقة، إلى الجماعات الإرهابية، لكنها تبقى دراسة واحدة، وعلى حالات من خارج المنطقة، ومن المهم تعزيزها بدراسات أخرى، إذ لو خرجت بالنتائج نفسها التي انتهت إليها الدراسة البريطانية، فإننا فعلاً سنكون في حاجة إلى التفكير خارج الصندوق، خصوصاً أن المسألة لا تتعلق بتنظيم إرهابي قد يتخلص منه العالم اليوم أو غداً، وإنما في التطرّف كعقلية.

ولعله من الأمور التي نحتاج إلى إعادة التفكير فيها، توسيع هامش الحرية في تناول القضايا الدينية، إذ إن النقاشات الحرة والمفتوحة حول الكثير من المسلّمات محظورة في أكثر البلاد العربية، وبعض تلك المسلمات تجرّم القوانين الاقتراب منها، وفي المقابل، فمن يروّجون تلك المسلّمات تنصب لهم الخيام، وتفتح أمامهم الاستديوهات، وتوفر لهم المساحات في الصحف، ناهيكم عن احتكارهم الحديث في المنابر ذات الطبيعة الدينية.

ومن المهم أيضاً إعادة جدولة الميزات التي تتوفر لمختلف المهن والوظائف، أعني الموازنة بين الميزات الوظيفية للمهندس والصحفي، والطبيب والمترجم، إذ الفروق الحالية في الميزات تدفع بالكثير من الشباب المتميزين والمجتهدين إلى كليات العلوم والهندسة والطب، وترك بقية الكليات لذوي الطموح المحدود والباحثين عن الشهادات.

وأعتقد أيضاً أننا بحاجة إلى إعادة النظر في الاعتقاد السائد بأن المخرج من المأزق الحضاري الذي نواجهه ينحصر في التقدم العلمي والتقني، وليس في الفكر والثقافة أو ما يسمى من باب الاستخفاف «الكلام الزائد والفلسفة»، وألا يكون الاحتفاء بالمخترع أقل من الاحتفاء بعالم الاجتماع، أو أن يكون الفوز في مسابقة للرياضيات مثلاً أهم في نظرنا من الفوز في مسابقة للرسم، وأن يكون حزننا على عدم وجود آينشتاين عربي أكبر من حزننا على عدم وجود فرويد عربي.

*نقلا عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.