السيارات الكهربائية هل تهدد أسعار النفط؟

نبيل عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:

لفت انتباهي مقالان ظهرا على الصفحة الأولى من جريدة «فاينانشيال تايمز» في تاريخ 12 مارس (آذار) الماضي، ولأول وهلة، لا يبدو أن هناك علاقة بينهما. فالمقال الأول يتحدث عن استحواذ شركة «جي إم» (جنرال موتورز) للسيارات على شركة صغيرة في كاليفورنيا اسمها «كروز» بمليار دولار، وهي متخصصة في تحويل السيارات العادية إلى سيارات ذاتية القيادة مشابهة لسيارة «غوغل» المشهورة.
والمقال الثاني يتحدث عن آخر تقرير لوكالة الطاقة الدولية التي بشرت فيه المنتجين بأن أسعار البترول قد وصلت إلى أدنى مستوى لها، وأنها ستبدأ بالارتفاع بعد وقت قصير.

والعلاقة بين المقالين هي أن التطورات المتسارعة في مجال السيارات الكهربائية والتكنولوجيا المرتبطة بها من صناعة البطاريات وأنظمة القيادة الذاتية للسيارات على وشك إحداث ثورة جديدة في مجال النقل ستهز أسواق البترول، وقد تدفع بسعره خلال عشر سنوات إلى أقل من عشرين دولارًا للبرميل.

وعلى الرغم من الاهتمام الكبير والتركيز هذه الأيام في السعودية على إيجاد مصادر جديدة للدخل لا تعتمد على سعر البترول ومشتقاته، فإن الشعور العام هو أنه ما زال أمامنا بضعة عقود من أسعار البترول المرتفعة نسبيًا، وأنها ربما مسألة أشهر قليلة حتى تبدأ أسعار البترول بالتعافي مع انكماش إنتاج البترول الصخري تحت وطأة الأسعار المتدنية.

ولكن هل هذا صحيح؟ فعندما تحدث تطورات تكنولوجية مزلزلة لتركيبة اقتصادية معينة مثل ظهور سيارات كهربائية متطورة في بعض المدن الغربية فقط خلال السنة الأخيرة، نادرا ما يحس بها المجتمع وقت حدوثها، لكنهم يدركون أثرها بعد فترة من دخولها في حياتهم.
ولذلك يجب أن نكون حذرين من الثقة العمياء بأن العالم لن يستغني عن استهلاك 20 في المائة أو أكثر من البترول الذي يستهلكه اليوم فقط في قطاع النقل خلال السنوات القليلة المقبلة، لأن ما يقارب 50 في المائة من البترول في العالم يستهلك في السيارات الخاصة. والتطورات في مجال السيارات الكهربائية تتسارع يوما بعد يوم، وأسعار البطاريات المسؤولة عن 50 في المائة من سعر السيارات الكهربائية هبطت بنسبة 65 في المائة خلال السنوات الست الأخيرة وهي مستمرة بالهبوط.

وخطورة التطورات التكنولوجية المتسارعة في مجال النقل تكمن في أنها تضاعف بعضها بعضا عندما تجتمع، فتحدث قفزة تقنية أو هبوطا في تكلفة استخدام السيارات الكهربائية خلال سنة أو أقل. ولذلك قد يحدث انخفاض في الطلب على وقود السيارات في الدول الصناعية فجأة ودون إنذار خلال فقط سنتين أو ثلاث.

فمثلا شركة «تسلا» للسيارات الكهربائية تبيع الآن نحو مائة ألف من سيارة «تسلا إس» سنويًا بسبعين ألف دولار، وحسب إحصاءات مجلات السيارات المتخصصة تعد هذه السيارة أفضل سيارة على الإطلاق، حيث يصل مداها إلى 300 كيلومتر دون شحن وتضاهي «البورش» بالسرعة والأداء. ولكن هناك عدة تطورات تقنية حدثت فقط خلال السنة الأخيرة قد تدفع مبيعاتها ومبيعات السيارات الكهربائية بصورة عامة إلى الملايين في فترة وجيزة، فتستبدل ملايين السيارات المحرقة للبنزين والديزل.

والتطورات التي نتحدث عنها هي:
أولاً، كما أشرنا أعلاه، عن شراء شركة «جي إم» شركة «كروز» المتخصصة في تحويل السيارات العادية إلى سيارات ذاتية القيادة، فإن نجاح هذه التكنولوجيا وقبول بلديات كثير من المدن الغربية بالسماح للسيارات الكهربائية الروبوتية بأن تجوب شوارعها سيسمح لشركات السيارات مثل «تسلا»، و«جي إم» بأن تقدم خدمة النقل في المدن الرئيسية حسب حاجة الفرد لها دون بيع السيارات للمستخدمين. وهذا التطور يلغي الحاجة إلى امتلاك سيارة خاصة، لأن الشخص إذا أراد أن يذهب إلى أي مكان ما عليه إلا استدعاء السيارة الكهربائية في أي وقت من الليل أو النهار عبر الهاتف الجوال، فتأتي السيارة إليه في لحظات أينما كان وتأخذه إلى أي جهة يريدها.

وهناك عدة دراسات لشركات استشارية مثل «كي بي إم جي» في عام 2013 و«ماكنزي» في 2014، تشير إلى احتمال كبير بأن تكلفة استئجار السيارات ذاتية القيادة أو الروبوتية في الدول الصناعية سيكون أقل من امتلاك سيارة خاصة، وقد ينهي الحوادث المرورية قبل سنة 2022. وسيلغي ذلك تنبؤ وكالة الطاقة الدولية المذكور أعلاه بأن أسعار البترول ستبدأ بالصعود مرة أخرى، لأن السيارات الكهربائية ذاتية القيادة ستلغي الحاجة إلى ملايين السيارات الخاصة المحرقة للوقود في مدن الدول الصناعية.
ثانيًا، هناك عدة مختبرات حول العالم تعمل ليل نهار لاستبدال معدن «الليثيوم» النادر في البطاريات بمعدن الصوديوم أو غيره من المعادن الرخيصة، المشابهة لليثيوم كيميائيًا. وقد أعلنت مجموعة من العلماء في كامبريدج قبل عدة أسابيع أنهم قريبون من حل هذه المسألة. فإذا نجحوا، فستهبط أسعار البطاريات إلى الحضيض، وستنتشر السيارات الكهربائية حتى في دول يرخص فيها الوقود، لأنها ستكون أرخص من السيارات التقليدية. فمن منا لن يشتري مثلا سيارة «كامري» كهربائية أسرع من «البورش» بمبلغ ستين ألف ريال، بينما «الكامري» التقليدي بـ90 ألف ريال؟

ثالثًا، منذ سنة تقريبًا بدأت عدة شركات كومبيوتر لا علاقة لها بصناعة السيارات بتطوير سيارات كهربائية خاصة بها، ومنها «آبل» و«فوكسكوم» وغيرهما من شركات الكومبيوتر الأميركية والصينية التي صرفت خلال السنة الماضية عدة مئات الملايين من الدولارات على تطوير سيارات كهربائية تنافس بها «فورد» و«تويوتا».. فهل مديرو هذه الشركات الناجحة أغبياء أم أنهم أيقنوا أن السيارات الكهربائية لا تختلف كثيرًا عن كومبيوتر شخصي كبير مزود بعجلات؟

رابعًا، منذ عام 2010 تقريبًا، استثمرت جميع شركات السيارات التقليدية مليارات الدولارات في تطوير سيارات كهربائية. فنذكر على سبيل المثال لا الحصر أن «جي إم» استثمرت 5.4 مليار دولار، و«فورد» 4.5 مليار دولار، و«بي إم دبليو» 3 مليارات دولار، و«نيسان - رينو» 5.6 مليار دولار، والأخيرة أعلنت أن جميع مبيعاتها بعد سنة 2025 ستكون سيارات كهربائية.
وربما عندما رأت الشركة الريادية في مجال السيارات الكهربائية، وهي «تسلا»، كل هذه المنافسة قررت قبل سنتين أن تتخصص في صناعة البطاريات، لتكون أكبر بائع للبطاريات لبقية الشركات. فأنشأت أكبر مصنع لبطاريات السيارات في العالم بمبلغ خمس مليارات دولار في ولاية نيفادا، ويتوقع أن يبدأ إنتاجه قبل نهاية 2016. فهل كل هذه الشركات قد تعلم شيئًا خافيا علينا؟

ومن يعتقد أن مسألة تحول العالم من السيارات المحرقة للبنزين والديزل إلى السيارات الكهربائية سيستغرق عشرات السنين عليه أن يطلع على بعض الصور القديمة لشوارع مدينة نيويورك في عامي 1900 و1909.. فبينما اكتظت شوارع نيويورك بالخيول الساحبة للعربات في 1900، فإن الخيول «شبه اختفت» من هذه الشوارع في أقل من عشر سنوات.
نقلاً عن الشرق الأوسط

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.