رسائل تفجيرات بروكسل

عبد الحق عزوزي

عبد الحق عزوزي

نشر في: آخر تحديث:

بلجيكا دولة أوروبية صغيرة، ولكن لها وضعاً خاصاً في المجموعة الأوروبية لأنها تأوي المؤسسات الأوروبية والعديد من المؤسسات الدولية بما فيها مقر حلف «الناتو». ولذا لم ينتظر رفقاء أو المنتسبون إلى إيديولوجية المدعو صلاح عبدالسلام، كثيراً للقيام بتفجيرين في قاعة المسافرين بالمطار وفي مترو الأنفاق في ذروة الزحمة التي يمكن أن يعرفها المكانان. والتفجيران وقعا بعد أيام قلائل من القبض على صلاح عبدالسلام، بمعنى أنه يستحيل تجهيز الانتحاريين في سرعة البرق، أي أنهم كانوا جاهزين منذ مدة، وكانوا لا ينتظرون إلا أوامر من جهات معينة أو حوادث بعينها كمسألة القبض على صلاح عبدالسلام.

وقد عاشت بلجيكا حالة من الخوف والرعب لم يسلم منها أحد، شبيهة بالحالات التي عاشتها في الحرب العالمية الثانية، وتوقفت شرايين الاقتصاد، والمطارات ووسائل النقل، وألغيت الرحلات، وأجلت الاجتماعات إلى حين، أما الجالية المسلمة التي تعيش هناك منذ عقود، فلا تسلْ. حالة من الهستيريا أصابت البلجيكيين وحالة من الإسلاموفوبيا تسيطر اليوم على القلوب والأفئدة... ولا يعرف الإنسان أين يمكن أن يأتي الانفجار المقبل، أو من أين تأتي رصاصات مقصودة من طرف أناس آوتهم مجتمعاتهم، وأدخلتهم مدارسها، واستفادوا من مرتبات الدولة، ومن التغطيات الصحية، هم وذووهم وأبناؤهم، لكي ينقلبوا على الدولة ومواطنيها في عمليات إرهابية دموية بشعة.

والحال أن العملية الانتحارية الأخيرة في بلجيكا حملت رسائل متعددة، ومن بين ذلك تخويف المنظومة الأوروبية بأكملها، وهي تجمع 28 دولة، لكي تنسحب من التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش». وبلجيكا تحتضن مؤسسات نافذة عليها قوام التكتل القاري الأوروبي (المفوضية والبرلمان الأوروبي)، والردع والتدخل العسكريان الدوليان «الناتو». وقدرة التنظيم على توجيه ضرباته في قلب العاصمة الأوروبية منذر بإزالة ثقة السكان في حكوماتهم ومؤسساتهم السياسية. وانعدام الثقة وزرع الفتنة أشد وأخطر من الحرب. وهناك رسالة أخرى مفادها أن لـ«داعش» خلايا نائمة واستقطابات متتالية وجنوداً يمكن استغواؤهم وجعلهم قنابل موقوتة في رمشة عين، وأنها سيدة الموقف في التقتيل وزرع الرعب. كما أن هناك رسالة من وراء هذه التفجيرات، وقبلها تفجيرات باريس، وهي إحداث طلاق بائن بين المسلمين وغير المسلمين في أنحاء المعمور، وشحن بطاريات الاتجاهات السياسية المتطرفة اليمينية واليسارية على حد سواء ضد الإسلام والمسلمين، وتمكين تلك الاتجاهات من الفوز بكل انتخابات وتطويق مصالح المهاجرين من كل الجهات، وشد الخناق على أبناء الجاليات المسلمة ليرتموا في النهاية في أحضان التطرف والإرهاب باسم «الدفاع» عن المعتقد والمآل، وهنا الكارثة.

إن تنظيم «داعش» تنظيم خطير جداً، يسعى لاستقطاب الآلاف من أبناء الجالية المسلمة، إذ تشير التقديرات إلى حوالي 10000 شاب أوروبي أغلبهم من أصول مغاربية، في حين أننا إذا وضعنا مقارنة مع التجربة الجهادية الأفغانية، وعلى رغم دعم أعتى المؤسسات المخابراتية في العالم، فهي لم تستطع جلب إلا بعض المئات من «المجاهدين» الأوروبيين وعلى مدى عقد من الزمن. كما أن هذا الاستقطاب بات أسهل وأسرع مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي. والمريدون الإرهابيون ليس منهم من سبق له الانتماء إلى جماعات معروفة، أو سبق له النضال في أطياف سياسية معينة، ولم يسبق للعديد منهم حتى إبراز الورع والتقوى أو قام بمهام خيرية كتوزيع وجبات الإفطار في شهر رمضان أو ألقى دروساً وعظية في المساجد أو في المعاهد. ولا أحد سبق وأن أبدى أصلاً اهتماماً كبيراً بتعاليم الشريعة. أي أن الفيروس الذي أصابهم، وضع في سرعة البرق غشاوة على قلوبهم وأبصارهم، ولوث عقولهم، ليتشكل كما يكتب أوليفييه روا «هؤلاء الشبان المتطرفون في مجموعات صغيرة من الأصدقاء الذين التقوا في مكان معين (الحي، السجن، ناد للرياضة، البار…)، ويعيدوا تشكيل "أسرة"، ويرتبطون بنوع من "رابطة الأخوة". والواقع أن هناك جانباً لم يهتم أحد بدراسته: فرابطة الأخوة غالباً ما تكون بيولوجية، ونعثر بانتظام على حالات قام فيها «أخوان» بتنفيذ عملية إرهابية (الأخوان كواشي، الأخوان عبدالسلام، عبدالحميد أباعوض الذي "اختطف" شقيقه الصغير، والآن الأخوان بكراوي، والأخوان "كلين" اللذان اعتنقا الإسلام معاً، دون إغفال الأخوين "تسارنييف" اللذين نفذا هجوم بوسطن في أبريل 2013). فكأنما يشكل تطرف الإخوة والأخوات إشارة إلى البعد الجيلي وإلى القطيعة الكاملة مع الآباء».

وقد أشرت في مقالة سابقة في هذه صحيفة الغراء إلى أنه من بين الراديكاليين لا يوجد ممثلون من الجيل الأول، فنحن في ثورة الأجيال: فالمجموعتان معاً، وبالأخص الجيل الثاني من الجالية المسلمة في الخارج يثور على الإرث الثقافي- الديني الموروث عن آبائهم، فيحدثون قطيعة شاملة معها وهي التي تربوا عليها في البيوت، وليست عندهم مشكلة مع الحضارة الغربية، لأنهم يتحدثون لغة البلد أفضل من آبائهم.

إنني أشعر بالقلق على بعض من مكونات هذا الجيل الضائع الذي لا يشكل إلا نسبة قليلة من الشريحة المسلمة في الغرب، ولكنه سيشكل متاعب جسيمة على ملايين المسلمين في أوروبا والعالم.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.