نحو تشريع يضبط عودة المخدوعين من الخارج

حسن أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

فى الأسبوع الماضى كتبنا عن عودة الداعشيين إلى أوطانهم لاستكمال ما يرونه جهاداً عنيفاً ضد النظم التى يرونها حليفة للأعداء، وهو ما يمثل تحدياً أمنياً للعالم بأسره وليس فقط الدول العربية أو الشرق أوسطية، التى عاد إليها داعشيون أو مُرجح أن يعودوا إليها، اليوم هناك حديث آخر عن عودة أخرى لعدد من الإعلاميين أو السياسيين أو الفنانين أو الصحفيين الذين خرجوا قبل عامين أو أقل وتعاونوا مع القنوات الفضائية الإخوانية برعاية تركية استخباراتية بهدف التأثير على الأوضاع فى الداخل وتشويه صورة البلاد فى الخارج، وإعدادها لحالة فوضى تمهد لعودة الإخوان إلى الحكم مرة أخرى وفقاً لأوهامهم الزائفة، وهناك سياسيون وفنانون متوسطو الموهبة وصحفيون خرجوا وتعاونوا مع الإخوان بشكل غير معلن، وكانوا خير معين لمنظمات دولية حقوقية احترفت الإساءة لمصر عبر مدها بالمعلومات المغلوطة والأكاذيب والمبالغات التى لا تمت إلى واقع الحياة المصرية بصلة، ومن بين هؤلاء من شارك دون إعلان فى خلايا إلكترونية كل هدفها التأثير على ثقة المصريين فى نظامهم الجديد الذى يسعون إلى بنائه بعد 30 يونيو، وإشاعة عدم الرضا عن كل خطوة تحدث مع ترديد لمقولات الإخوان.

من بين الفئتين الأخيرتين ثمة من اكتشف الوهم والخديعة التى وقع فيها وأراد أن يعود إلى مصر مرة أخرى ولكنه يتطلع إلى أن تكون عودته بلا أى منغصات أو حتى أى نوع من العتاب واللوم على ما فعله بحق بلده وشعبه، طالباً السماح من بلده والنسيان من الشعب، ولو أن المسألة تتعلق بالعواطف الشخصية ومراعاة لظروف صحية لعدة أفراد بعينهم، لهان الأمر، أما أننا نتحدث عن فتح باب العودة وفقط لهؤلاء وهؤلاء، بدعوى التسامح والتغاضى عما سلف، فهنا لا بد من وقفة حساب أياً كانت، فكثير من الذين خرجوا لم يكن هناك ما يضغط عليهم ولم تكن أوضاعهم أو حياتهم فى محل خطر، وحين خرجوا فعلوا ذلك بإرادتهم الحرة وبكامل قواهم العقلية، والغالب أن إغراءات مادية وأخرى سياسية لعبت دوراً فى دفعهم إلى اتخاذ قرار مغادرة البلاد والتعاون مع من يسعون فى خرابها وإشاعة الفوضى فيها، وقد يرى بعض هؤلاء فى تبرير خروجهم أنهم استشعروا الخطر فى الداخل لأنهم معارضون لنظام حكم ما بعد 30 يونيو، وبالتالى وجدوا الفرصة سانحة لكى يمارسوا معارضتهم عن بُعد، وهو تبرير لا ينفى مسئوليتهم الكاملة عن قبولهم التعاون مع جهة خارجية للإضرار ببلدهم مادياً ومعنوياً، كما أن الداخل ملىء بالمعارضين والناقمين على الأوضاع ولم يفكروا فى التعاون مع استخبارات خارجية والتزموا البقاء فى وطنهم، وقدموا المثل فى الوطنية وخدمة البلاد تحت سقف الدستور والقانون.

والسؤالان اللذان يفرضان نفسيهما فى هذه الحالة، الأول هل مصر بحاجة إلى استعادة أبنائها الراغبين فى العودة بعد الاعتراف بالخطأ؟ والثانى هل تكون مثل هذه العودة «سداح مداح» أى بلا ضوابط أم لا بد من وضع معايير محددة لفتح باب العودة لهؤلاء وغيرهم؟ وعن السؤال الأول فمن المؤكد أن عودة هؤلاء بعد الاعتراف بالخطأ هى أمر مهم للغاية ولها فوائد سياسية مباشرة وغير مباشرة على السواء، فعلى الأقل تؤكد أن النظام الراهن لا يُقصى أبناءه لمجرد أنهم أخطأوا أو أنهم معارضون، فضلاً عن أن عودة المخدوعين ستؤكد وتعمق فشل جماعة الإخوان فى الخارج وراعيتها تركيا فى تصدير الفوضى إلى مصر، وهما أمران يزيدان من رصيد النظام القائم ويخصمان من جهود الخصوم والأعداء، ويؤكدان أن الأطراف التى تقبل التعاون مع بلدان أخرى للإضرار بالشعب والوطن هى أطراف خاسرة بكل المعانى والمقاييس، ولعل ذلك يعطى رسالة قوية لمن ما زالوا واقعين فى وهم الاستعانة بضغوط خارجية لتحقيق مصالحهم الخاصة والضيقة فى الداخل فى أى مجال كان.

أما عن السؤال الثانى فالإجابة ببساطة أن السماح بعودة هؤلاء، ومع استثناء بعض الحالات ذات الطابع الخاص جداً كالمرض العضال، يجب ألا يكون عفوياً أو عاطفياً أو بلا ضوابط، وإذا كان القول المنسوب للرئيس السيسى بأن العودة متاحة لكل من لم يتورط فى العنف وليس عليه أحكام قضائية، فهما بُعدان مهمان ولكن يظل هناك الذين تورطوا فى التحريض الصارخ ضد بلدهم، والذين أشاعوا الأكاذيب، والذين أمدوا معلومات مغلوطة لجهات دولية، والذين طالبوا دولاً ومنظمات دولية لكى تعاقب مصر وتمنع عنها المساعدات الاقتصادية أو الأسلحة الضرورية لحماية الأمن القومى، والذين حرضوا على تخريب البنية الأساسية وتحويل حياة الناس إلى جحيم، ولما كان التحريض فى القانون الجنائى المعمول به فى مصر وكذلك القانون الخاص بالإرهاب يساوى فى المسئولية وفى العقاب بين المُحرض وبين القائم بالفعل الجنائى أو الفعل الإرهابى، الأمر الذى يجعل من تورط بالتحريض بمستوياته المختلفة مُعرضاً للعقاب أيضاً، وقد يرى البعض أن فوائد السماح لعودة هؤلاء رغم مشاركتهم فى التحريض أكبر بالمعنى السياسى والرمزى من محاسبتهم قانوناً، ومن ثم فلنتغاضى عن مثل هذه المحاسبة.

وفى يقينى أنه إن حدث مثل هذا التغاضى عن المحاسبة فسوف يكون بمثابة رسالة سلبية لمبدأ دولة القانون الذى نعمل على إعلائه وضمان سيادته فى كافة معاملاتنا، وفى هذه الحالة يبدو أن الأفضل هو أن يُصدر مجلس النواب تشريعاً خاصاً لهؤلاء يفتح الباب لعودة من اكتشف خداعه ويرغب فى طى صفحة مشينة من حياته، ويؤكد على تسامح مصر مع أبنائها من حيث المبدأ، على أن يُراعى التفاوت فى حالات الذين يرغبون فى العودة من زاوية مدى التورط فى التحريض، وأن يضع قواعد للاستتابة الوطنية تكون بمثابة محاسبة ذاتية كنوع من الاعتراف بالذنب على سوء التقدير والخضوع لإغراءات وهمية، مع الاعتذار وطلب العفو من الشعب والتأكيد على الالتزام بمصالح مصر العليا كما يحددها الدستور والقانون، على أن تكون هناك متابعة لمن كان تورطه بمستويات أعلى من غيره.

وضع قانون بهذه المواصفات بعد خضوعه للحوار الوطنى العام من شأنه أن يضع الأمور فى نصابها الصحيح، وألا يفتح باب الاجتهادات الشخصية والبطولات الوهمية، وأن يثبت أن أموراً خطيرة تتعلق بأمن الوطن واستقراره محددة بضوابط صارمة وليست العواطف الجياشة.

*نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.