إلى أمكم أيها العراقيون..!

محمد بن إبراهيم الشيباني

نشر في: آخر تحديث:

قصة قديمة قرأتها عن رؤيا لأحدهم صادقة رأى فيها الرخاء والهناء والحدائق الغناء وبحبوحة الناس وعيشهم السعيد، حيث غنيهم غني وفقيرهم غني، كلٌ في حياته مسرور وبالرضا فرح، يتنقل من جهة إلى أخرى في أمن وأمان وجمال أجواء ومنظر خلاب، الأنهار من حوله تجري، وهي من الشمال إلى الجنوب: نهر الفضل ونهر جعفر ونهر موسى ونهر المعلى، وفي الضفة الأخرى اليمنى: نهر الصراة ونهر كورة عيسى الذي يتشعب شعباً تسمى بأسماء مختلفة، ومن الشمال إلى الجنوب: نهر البزازين ونهر الدجاج ونهر طابق ونهر الكلاب، وغيرها وغيرها من الأنهار وخلجانها.

قصور وبساتين، وهي كذلك للأغنياء والفقراء، فالكل يعيش في عز وترف وفق مستواه وكده وكسبه، والكسب متوافر بأشكاله المتنوعة من أراده لقيه ومن زرع حصد، والاثنان في كبد يتاجران ويزرعان ويكسبان ويحصدان، كنا معشر الكويتيين نتمون نهاية الأسبوع بالفاكهة والخضار واللحوم والألبان بمشتقاتها من العراق السعيد الجميل هواؤه وجوُّه اللطيف أهله الكرماء مع الجميع كما قلت لكم تجاره وفقراؤه أغنياء.

عمران هنا وهناك ومكتبات ودور علم وعلماء ودارسون ومؤتمرات وندوات ومهرجانات وملتقيات على الصعد المتنوعة كافة.

واليوم كما قال صاحب الرؤيا: أبكي على مجد سلف وعز زال ورقي تبدل بالانحطاط. إيه يا بغداد العزيزة ويا أم المدائن ومجمع العلماء والشعراء كانت عنادل العلم تغرّد على افنان مدارسك وأنوار العرفان تتلألأ في معاهدك ومعالمك وكانت قصورك وربوعك تشهد على عظمتك. فأين تلك الدور والقصور وأين ذلك الوقت وتلك العصور؟!

أصبح اغلب الناس تائهين في ظلمات الفقر والجهل والبؤس والشقاء! صراخ هنا وصياح هناك، قتال شرس لا يرحم أحدا يقتل أفراد المجتمع الواحد على الاسم والمذهب بعد أن كانوا متحابين متآلفين في جيرة طيبة وتعاون يحير العدو. لقد ضاقت الدنيا الواسعة بالناس ولعبت بهم معاول الشقاق والنزاع ونيران الفتن تشب في كل مكان.

نهاية الرؤيا فتاة جميلة في غاية الحسن واللطف، ولكنها مكفوفة البصر، عرجاء الأرجل، رثة الثياب، سألها صاحب الرؤيا، أليس لك أولاد؟ فقالت: لي أولاد ولكنهم عاقون قد سخط الله عليهم فتركهم في ضلالهم يعمهون، ثم صرخت بصوت اهتز له المكان ثم تذكرت بأنها تقصد العراق، ألم تحن بعد قلوبكم لها؟ هلموا «إلى أمكم أيها العراقيون»! والله المستعان.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.