الحرب في لبنان.. لم نسامح

ريما مكتبي

نشر في: آخر تحديث:

مرّ على الحرب اللبنانية، أو حرب الآخرين في لبنان، سمّها كما شئت، مرّ واحد واربعون عاما يحق فيها أن يسأل المواطن إذا ما كان تغيّر أو غيّر واقعا مُعينا. فالحروب على بشاعتها وفظاعة الآلام التي تسببها تنتج أحيانا تجارب مجتمعية تحول دون الوقوع في نزاعات مسلحة أخرى، أقله بين أجيال عاصرت الحرب. وفي حالات أخرى، تفرز الحروب دساتير جديدة عصرية وطبقة سياسية تواقة للتغير.

لكن ليس في لبنان، فما أن تغوص في عمق الحديث ما زال السؤال عن اسمك، وأصلك، ومسكنك أسلوبا مقنعا لمعرفة ما إذا كنت مسيحيا أو مُسلما. وفي السنوات العشر الماضية، أخذت الطائفية منحى مذهبيا وأصبح السؤال: "أنت سني أم شيعي؟". فتغيرت خطوط التماس من بيروت شرقية وغربية الى طريق الجديدة، ذات الغالبية السنية، والضاحية الجنوبية، مرتع حزب الله.

نعم وجه بيروت تغيّر والاسواق القديمة المهدمة وخطوط التماس والمباني المهجورة، الا من المقاتلين على أطيافهم، تحوّلت الى وسط تجاري جديد، وعمارات شاهقة، وواجهة بحرية، تطمح ان تنافس عواصم العالم سياحيا. عين اللبنانيين على حلب وبغداد وصنعاء وطرابلس الغرب، فمشهد الدمار الشامل خبروه جيدا وربما يذكرهم انهم غيّروا شيئا منذ 1975.

لكن وجوها أخرى لم تتغير. في البرلمان،ـ وبعد واحد واربعين عاما، هناك نواب مقاتلون سابقون أو تابعون لقافلة سياسية يديرها مشاركون سابقون في الحرب اللبنانية، قتالا وتمويلا. ومن لم ينغمس منهم في الحرب غير قادر على التغيير.

حكومة مشلولة تدار عن بُعد، وبلديات تحكمها المحسوبيات وليس مصالح المواطنين ومشاريع الإنماء. ناهيك عن رئيس الجمهورية المُغيب.

عملية جلد الذات ليست مفيدة، فالصمود بحد ذاته إنجاز، لأن اللبناني، ومنذ قرون، عينه دائما على المرفأ والمطار. ففي كل عائلة فرد سئم الواقع وهاجر. لكن شيئا لن يتغير، ما لم يسامح اللبنانيون بعضهم البعض. لاسيما إذا ما وُجد اليوم من يمّول حربا او يرعاها، فبعضهم، للأسف، جاهز لمعارك أخرى.

ليس بمقدور الانسان أن ينسى شهيدا أو مخطوفا أو بيتا تبخر بلمح بصر جراء الصواريخ والقذائف. لكن لماذا لا ندع الموتى يرقدون بسلام؟ ولا نحفر قبورا جديدة؟ الحرب اللبنانية أفقدتني والدي، وأنا لم أتخط الثانية من عمري، فعشت الفقر والتهجير والحرب والخوف، ثم النقمة والغضب، ثم التصالح. وأنتم... سامحتم؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.