الحربان الأهليّتان اللبنانية والسورية متزامنتان

وسام سعادة

نشر في: آخر تحديث:

ذكرى الحرب اللبنانية لم تعد هي هي بعد انفجار الحرب السورية. العلاقة بين هاتين الحربين الأهليتين باتت تفرض نفسها، ليس فقط لقراءة ماضي لبنان وحاضر سوريا، بل أيضاً لقراءة حاضر لبنان وماضي سوريا.

منذ تدخل النظام السوري في لبنان لحسم حرب السنتين في اتجاه ظهر سريعاً أنه لفرض هيمنته هو، نشأ خطاب سياسي لبناني تناقله كذا طرفا، كل حسب ظرفه ومصطلحاته، ويتعلق باستعجال انفجار الصراع الأهلي في الداخل السوري. هناك مادة يمكن استجماعها في السبعينيات والثمانينيات ويتوقع فيها زعماء وسياسيون لبنانيون من مواقع حربية متضادة مصيراً احترابياً سورياً داخلياً، ويستدلون بالحاصل ميدانياً، وصولاً الى مجزرة حماة.

لكن الحرب السورية بالمعنى الشامل والمزمن للكلمة لم تنفجر وقتها. الادارة النظامية السورية للحرب اللبنانية نجحت في تأمين استقرار لنظام كان، على كثرة استبداده، أكثر عرضة للتحدي من جانب شعبه، مقارنة بحال العديد من «النظم التقدمية» أو «الديموقراطية الشعبية» أو «الديكتاتوريات العسكرية» العربية (حسب ما اخترت الترسيمة). كما أن الأيديولوجية البعثية التي يحملها النظام بقيت الى حد كبير نقمة عليه أيضاً، فهو لا يستطيع الذهاب فيها بعيداً، بالشكل الذي ذهب اليه العراق، ولا يستطيع تسريحها أو تجاوزها. هذا في وقت انتزع صدام حسين بصلفه وفظاظته و»ماتشيته» المجنونة كاريزما شعبية في «قادسيته» مع ايران. أما حافظ الأسد فلم يكن له مثل هذا. لم يكن له حتى ما ناله معمر القذافي من شعبية في وقت من الأوقات، سواء في داخل بلده، أو في العالم العربي.

الحرب اللبنانية كانت مع ذلك حبلى بالحرب السورية، تحتبسها، ما دامت حرباً نجح النظام السوري بعد سنتين من انطلاقتها في ادارتها الى حد كان يزيد وينقص، لكنه اتضح انه تعاظم على المدى الطويل، حتى أمّن لنفسه، بتقاطعات ما بعد الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية، وصاية عسكرية وأمنية مرهقة للبنان بعد الحرب.

أدوار ووظائف النظام السوري في الحرب اللبنانية لم تدرس بعد في الشكل الكافي، ولم يدرس كذلك كيفية نقل هذا النظام لمشكلاته البنيوية في سوريا الى لبنان.

الحربان السورية واللبنانية متعاقبتان زمنياً. يفصل عقدان بين الواحدة والثانية. لكن، تبقيان مع ذلك حربين متزامنتين على صعيد منطق سير واستفحال كل منهما، رغم كل لائحة الاختلافات، سواء في الايقاع الحربي نفسه، او في السعة التدميرية، او في التدخل الاجنبي. أهم عنصر تلاقٍ هو ان النظام نفسه الذي نجح في ادارة الحرب الاهلية اللبنانية لاعوام طويلة وخرج منها منتصراً بوصاية على جميع اللبنانيين، عاد وانفجرت التناقضات الداخلية بوجهه بعد سنوات قليلة من خروجه من لبنان، لكنه استفاد، بمدفعيته أولاً قبل أي شيء آخر، وبفهمه «الأنثروبولوجي» لسمات المجتمعات المتعددة طائفياً واثنياً وطرائق التفاعل بين أبنائها، ومآلات ديناميات العنف داخلها، كيف يدير ما انفجر أساساً بوجهه من تناقض عميق، وغير قابل للاطفاء، فاذ عجز عن اخماد الثورة عليه، وعجزت الثورة عن الاطاحة به، سرع الخطى باتجاه الحرب الأهلية، ولم تذوبه الحرب نفسها ، رغم كل الانتظارات المماثلة، ورغم كل التعليلات لاستمراره بالتدخلات الايرانية والحزب اللهية والروسية. نجح في التحول الى ادارة الحرب الأهلية السورية، بشكل ما زال مستمرا في حده الأدنى.

من المبكر قليلا القول اذا كانت الحرب السورية تجاوزت منذ اعلان الهدنة الهشة الاخيرة وبدء المفاوضات، مرحلة «حرب السنتين» السورية التي دامت خمس سنوات. لكن ثمة هنا أيضاً اغراء بالمقارنة. حرب السنتين كانت الى حد كبير الحرب الأهلية اللبنانية وما بعدها كان حروب ما بعد الحرب الأهلية. لا يمكن استشراف ملامح ما بعد الخمس سنوات الدمويات التي، حولت أقل قليلا من نصف السوريين الى مهجرين في الداخل والخارج وعلى امتداد كوكب الارض. كل ما يمكن توقعه ان هذا النظام لم يعد بمقدوره ان يبقى الا كنظام ادارة حرب اهلية، وادارته هذه، تقدم ميدانيا او تراجع، في اتجاه تراجعي من سنة الى سنة. هو نظام يحتاج الى حد كبير للهدنة لترميم نفسه، ويعي خطورة ان يتفكك نخاعه الشوكي متأثراً «بجراح هدنته».

*نقلاً عن "المستقبل" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.