تعافي أسعار النفط

محمد العسومي

نشر في: آخر تحديث:

متى تستعيد أسواق النفط توازنها؟ سؤال يتردد على أكثر من صعيد، وبالأخص في البلدان المنتجة للنفط، علماً بأن هذا التعافي ستنعكس آثاره على بلدان العالم كافة وعلى الاقتصاد العالمي ككل، مما يزيد من حدة التساؤلات، ويؤكد استمرار تربع النفط على قطاع الطاقة. الحقيقة أن هناك مؤشرات مشجعة على أن دورة الانخفاضات ستتلاشى تدريجياً مع نهاية العام الحالي، وستتخللها عمليات مضاربة وتذبذبات حادة على أسعار النفط، إلا أن المؤشر العام سيتجه نحو الارتفاع لأسباب موضوعية عديدة. أولاً هناك تراجع كبير في منصات إنتاج النفط الصخري المنافس القوي والمستجد للإنتاج التقليدي، فانهيار الأسعار الأخير حوّل عمليات الإنتاج في الكثير من حقول النفط الصخري إلى عمليات غير مجدية اقتصادياً، حيث أغلقت الكثير من هذه الحقول وأفلست عشرات الشركات العاملة في هذا المجال، فوفق دراسة أصدرتها مؤخراً شركة «Deloitte» للتدقيق والاستشارات، فإن (175 شركة من أصل 500 تعمل في قطاع إنتاج النفط والغاز في العالم تواجه خطر الإفلاس خلال العام الجاري بفعل أزمات الديون ونقص السيولة، حيث بلغت قيمة ديونها 150 مليار دولاراً، كما تراجعت قيمة طروحاتها من الأسهم ومبيعات الأصول، مما حد من قدرتها على توليد السيولة اللازمة للاستمرار، وصعّب من القرارات المتخذة في عام 2016)، كما انخفض عدد حفارات النفط والغاز الأميركية على مدى أكثر من عام ليصل إلى أدنى مستوياته منذ عام 1995.

ثانياً هناك بوادر اتفاق بين المنتجين الكبار على تجميد الإنتاج في اجتماع الدوحة الأسبوع المقبل، على الرغم من أن هذا الاتفاق تواجهه مصاعب كبيرة بسبب عدم التزام إيران بتجميد الإنتاج، حيث رفعت من صادراتها خلال العام الجاري بنسبة 53% ليصل إجمالي الصادرات في الوقت الحاضر إلى مليوني برميل يومياً، مما أدى إلى زيادة المعروض، والذي خفف من حدته تراجع إنتاج النفط الصخري.
ثالثاً: استمرار الطلب القوي على النفط في آسيا، وبالأخص الهند الذي ينمو اقتصادها بمعدلات مرتفعة، في حين لا زال الطلب الصيني مرتفعاً رغم الصعوبات التي يعاني منها الاقتصاد، في الوقت الذي خفت فيه حدة الصعوبات التي تعاني منها بعض اقتصادات أميركا الجنوبية الكبيرة، كالأرجنتين والبرازيل. رابعاً تولدت قناعة لدى البلدان المصدرة، بأن سعر 50 دولاراً للبرميل، هو سعر مقبول كما صرح وزير الطاقة الروسي، وبما أن النفط يتداول حالياً قرب 40 دولاراً للبرميل صاعداً من أدنى مستوياته تحت 30 دولاراً قبل ثلاثة أشهر، فإن السعر المستهدف يبدو معقولاً ومقبولاً من البلدان المصدرة والمستوردة على حد سواء.

هذا وغيره من المؤشرات ربما تشكل حالة من التفاؤل للبلدان المصدرة للنفط، والتي اتخذ بعضها إجراءات مالية عملية للتأقلم مع انخفاض الأسعار، وقام بإعادة هيكلة لموارده المالية، وهو مما خفف من وطأة انخفاض الأسعار على الاقتصادات النفطية. وفي تحليلها لأوضاع سوق النفط قالت وكالة الطاقة الدولية في أحد تقاريرها الأخيرة «إن أسواق النفط ستستعيد توازنها مع حلول عام 2017 مع احتمال انخفاض الإنتاج الأميركي» والمقصود بالتوازن هنا تقارب مستويات الإنتاج والطلب، مما قد يحقق سعر 50 دولاراً للبرميل، التي أشار إليها الوزير الروسي. وإذا تحقق ذلك خلال العام الجاري أو بداية 2017، فإن البلدان المنتجة للنفط ستكون قد تجاوزت عنق الزجاجة لتستعيد بدورها زخم نموها وأنشطتها الاقتصادية، مما سيشكل نجاحاً لقدرتها على التأقلم مع التقلبات الحادة في أسعار النفط والتي أكسبتها تجربة غنية في كيفية التأقلم هذه، خصوصاً أنها قامت ببناء احتياطيات مالية كبيرة ونوعت من اقتصاداتها واستثمارات صناديقها السيادية، وهو تغير مهم اتسمت به التوجهات الاقتصادية لهذه البلدان في السنوات القليلة الماضية.

*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.