سمير عطا الله

نشر في: آخر تحديث:

كان للبطل، في التراث العربي والعالمي، صورة واحدة تقريبًا. يجب أن يكون فارسًا ونبيلاً، ماهرًا في استخدام السيف، ومتقدمًا في حماية الضعفاء، مقدامًا وعفّاءً أيضًا، لا يظلم بريئًا، ولا يقتل طفلاً، ولا يمدّ يده إلى امرأة. في زمننا هذا، يقتل البطل الأم والابن، ويسبي الابنة، ثم يقتل والده، وينتحر مفجرًا نفسه، ومن صدف وجودهم من مارة أو مصلّين.
البطل الحديث ينشأ معتادًا المخدرات والسجون وفرض الخوّات على أهل حارته، وبعد دورة كاملة في هذا العالم السفلي، يقرر إنقاذ الخليقة وهو في الطريق إلى الجنة. المشكلة أن الذين يعبّدون له الطريق، ويسلمونه المفتاح، يتركونه يذهب وحيدًا، إلاّ من قتلاه.
البطل الحديث لا ينقذ أحدًا، ولا يحسن إلى أحدٍ، وليس له أشقاء ولا أصدقاء. فهم سوف يذهبون معًا في رحلة واحدة إلى إعطاء الخليقة النموذج الأفضل للتقوى: فجِّر المصلين والمسافرين. محمد عبريني كان حاذقًا، وله مواهب تجارية. فجّر مسافري مطار بروكسل، وتركهم يموتون وحيدين. أما هو، فبدل أن يكمل الطريق إلى الجنة، أكملها إلى المدينة. رمى قبعته في القمامة، ثم ذهب وباع معطفه. باعه بتخفيض شديد من دون أن يتنبه إلى أهميته التاريخية.
في تكريت، مشهد آخر. متطوعون من المدينة يعيدون بناءها حجرًا حجرًا. يمسحون عن جبينها غبار عشرة أشهر من احتلال «داعش» وفظاعاتها ودمارها، وما تركت من دماء. يعيدون الأسر إلى البيوت التي فقدوها بعد ترميمها، يؤمِّنون عشاءً لكل مشرَّد، يوزعون الأسرة والوسائد، والوعد بأن العربي سوف يعود بطلاً حقيقيًا من تكريت، التي كان فارسها الأخلاقي الأول، صلاح الدين.
عندما يعود عشرة ملايين سوري إلى ديارهم، سوف يفعلون مثل أهالي تكريت، وإلا، لا شيء يبني سوريا. ولأنهم سوف ينهمكون في البناء، لن تتسنى لهم المشاركة في العرس الانتخابي الذي تَقَدّمه السيد الرئيس والسورية الأولى. الشغف الديمقراطي عادة قديمة يصعب الإقلاع عنها. منذ الثامن من مارس (آذار) 1963، وسوريا لا تفوت موعدًا انتخابيًا واحدًا مهما كانت الظروف، في الداخل أو في الخارج، خصوصًا عندما يكون السوريون الذين في الخارج أكثر من الباقين في الداخل.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.