نظرية الصبر فى العلاقات الدولية

حسن أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

فى تحليل العلاقات الدولية مدرستان كبيرتان؛ الأولى المدرسة الواقعية أو مدرسة القوة، والثانية هى المدرسة المثالية أو مدرسة التعاون الدولى، ولكل مدرسة العديد من الافتراضات والأولويات، وأيضاً نقلات نظرية كل فترة مع الحفاظ على الأساس النظرى الأوّلى الذى قامت عليه كل مدرسة على حدة. فمثلاً المدرسة الواقعية تُعنى بالأساس بالقوة، لا سيما العسكرية، فى تحقيق مصالح الدولة، ولكنها تطورت وصارت تهتم بالقوة الشاملة، ثم لاحقاً بدأنا نعرف التفرقة بين القوة الصلبة التى تضم الاقتصاد والقوة العسكرية والموقع الجغرافى بالأساس، مع القوة الناعمة التى تشتمل على كافة المخرجات المعنوية والحضارية والإبداعية للمجتمع والتى تزيد من مصالح الدولة وحضورها العالمى. وكذلك بالنسبة للمدرسة المثالية التى بدأت أساساً بفكرة الاتصالات بمعناها الواسع فيما بعد الحرب العالمية الثانية كآلية من آليات منع الحروب، وهو ما أثر لاحقاً على التنظيم الدولى وبناء النظم الإقليمية للتعاون وساعد على تراكم خبراتها كآلية جماعية لحماية البشرية من الحروب والمجاعات.

ورغم الفوارق النظرية بين المدرستين، فإن الواقع العملى للعلاقات الدولية يشهد تداخل المنهجين، فلا توجد دولة إلا وتمارس علاقاتها مع الغير لتحقيق مصالحها من منطلق الجمع بين ممارسة الضغوط وطرح المغريات فى آن واحد، والاستناد إلى قوة صلبة بما ذلك التلويح بالحرب أحياناً أو التهديد بالضغوط متعددة المستويات حتى فى مواجهة أصدقاء تقليديين، بالإضافة إلى قوة ناعمة قائمة على النفوذ التاريخى والمعنوى فى الوقت نفسه. وفى هذا السياق العام لتعقد العلاقات الدولية وتداخل أدواتها بما فيها ما بات يُعرف بالضغوط غير المباشرة المتمثلة فى حروب المعلومات وبث الشكوك وكسر تماسك المجتمع والدفع إلى انهيار الدول والمؤسسات. لفت نظرى ما قاله الرئيس السيسى فى لقاء الأسرة المصرية حين شرح فى مقدمة حديثه حول التهديدات والتحديات التى تواجه مصر الآن، كيف تتصرف مصر فى مواجهة بعض هذه التهديدات من خلال الصبر على ممارسات القوى المعادية. وفى الحديث بعض إشارات ربطت بين الفهم الدينى للرئيس وحقائق الحياة الخاصة وبين أسلوب ممارسة الدولة لحماية نفسها فى الوقت الراهن. فهل يمكن الصبر بمعنى تحمل أذى الغير انتظاراً لأن تتغير الظروف وينتهى هذا الإيذاء، وهل يكفى ذلك لمواجهة التهديدات وجزء كبير منها خطير للغاية لدولة سكانها 90 مليون نفس؟ قبل الجزم بنعم أو لا، أود أن ألفت نظر القارئ العزيز إلى الآية الأخيرة من سورة آل عمران فى القرآن الكريم، فقد تساعدنا فى فهم دور الصبر فى علاقتنا بالآخر، خاصة إذا كان معادياً. تقول الآية الكريمة «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ». ووفقاً لما جاء فى كتب التفاسير فنحن أمام أربعة مداخل مترابطة؛ أولها تحمُّل العنت من الحياة، لا سيما من المعادين لنا، والثبات على قتال الأعداء ومواجهتهم، والاستعداد أو المرابطة بكل عناصر القوة لردّ العدوان، ورابعاً الالتزام بتقوى الله، وهى عناصر أربعة مترابطة تؤدى إلى الفلاح أى الانتصار. فالاكتفاء بتحمل الأذى وحده لا يصنع الانتصار، بل لا بد من المواجهة وحشد عناصر القوة واختيار اللحظة المناسبة والثقة فى الله. وقد أشار الرئيس السيسى فى غير موضع إلى ثقته فى الله كأساس لتحركه واجتهاده لرد التهديدات التى تحيط بمصر. ونحن معه بلا شك، ولكننا نؤكد على ضرورة ترابط وتداخل أساليب المواجهة، خاصة إذا كان الآخر لا يألو جهداً فى تعظيم درجة الإيذاء التى يوجهها لنا، ولا يرقب فينا إلاً ولا ذمة، وكل همه أن يطرحنا أرضاً. والحق أننا إذا فعلنا ذلك فلن نكون سوى دولة طبيعية مثلها مثل باقى الدول الأخرى التى تدافع عن مصالحها وعن وجودها مستخدمة فى ذلك كل عناصر القوة التى تحت يديها. وإذا كان البعض يتصور أن صبرنا على إيذاء الآخرين انتظاراً لتعقلهم وعودتهم إلى الرشد سوف يأتى بنتائجه من تلقاء نفسها، باعتبار أن هناك تطورات إيجابية بشكل عام تصب لصالحنا وقد تقنعهم لاحقاً بتغيير سلوكهم السيئ تجاهنا، فأقل ما يمكن وصفه بأن هذا وهمٌ كبير، لأن هؤلاء سوف يستمرون فى الإيذاء وفى التهديد العلنى والصريح وكذلك من وراء ستار لأنهم ببساطة لم يدفعوا ثمناً لمواقفهم المخزية والعدائية تجاهنا، بل يرون فى سلوكنا الدفاعى مبرراً أكبر لشعورهم بالنجاح فى مسعاهم ودافعاً أكبر للاستمرار فى خططهم ومؤامراتهم.

الصبر وحده، بالمعنى الذى فهمته من حديث الرئيس السيسى، ليس كافياً لإدارة معركة وجود ومصير مثل تلك التى نعيشها فى هذه الأيام العصيبة. ويكفينا ما تضمنته الآية المائتان من سورة آل عمران، فلنتدبر ما فيها، لقد أوجزت ولكنها أيضاً جمعت كل ما شرحه فلاسفة العلاقات الدولية من أنصار الواقعية أو المثالية كأساس لردّ العدوان والثبات فى المواجهة. دعونا لا نخجل من الإشارة الواضحة والصريحة لكل من يعادينا، ودعونا لا نكون مثاليين إلى الدرجة التى تقنع أو على الأقل ترسل رسالة خاطئة لمن يتربص بنا، بأننا أقل من مواجهته وننتظر منه التعطف علينا لاحقاً.

علاقات الدول لا تقوم فقط على النوايا الحسنة أو التحرك بالتمنى، بل تقوم على حسابات دقيقة ومصالح محددة بدقة وإمكانيات مادية ومعنوية يتم حشدها وتعبئتها وفقاً لمتطلبات كل لحظة تاريخية. وفى تحركنا فى العامين الماضيين خير مثال، فحين نالت مصر تأييد 175 دولة من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة لتصبح عضواً غير دائم لمدة عامين فى مجلس الأمن، لم يأت الأمر نتيجة الصبر وحسب، بل جاء بعد تحركات وجهود ومفاوضات وإقناع بأننا نستحق هذه العضوية ونحن أهل لها، وحين يأتى ملوك ورؤساء من مشارق الأرض ومغاربها لزيارتنا ويوقعون معنا اتفاقيات فى كافة المجالات، فلم يكن الأمر نتيجة الصبر وحسب، بل نتيجة حركة دائمة فى الداخل والخارج أقنعت الآخرين بأن هذا البلد، رغم ما يواجهه من تحديات معقدة، لديه فرصة للانطلاق ولديه إرادة للعمل. باختصار، دعونا نثق أكثر فى أنفسنا وفى شعبنا وفى قدرتنا على رد الصاع صاعين، فبدون ذلك قد نُفهَم خطأ، وهو ما نراه بالفعل حولنا حتى من هؤلاء الذين ربطتنا بهم مصالح وعلاقات متشعبة، ومواقف إيطاليا الأخيرة خير دليل.

*نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.