القارعة.. تفجر الصحفيين!

عباس الطرابيلي

نشر في: آخر تحديث:

القارعة.. كلمة دخلت القاموس السياسى المصرى، فى مارس 1919، كانت مصر كلها تغلى بالثورة.. من استبداد سلطة الاحتلال البريطانى.. ومن طغيانه الذى استمر سنوات طويلة قبلها، وبالذات منذ تحرك زعماء الثورة - ولم يكونوا بعد زعماء - يوم 13 نوفمبر 1918 ليطلبوا لمصر الاستقلال.. وبطل هذه الكلمة - الذى أطلقها - هو سعد زغلول باشا.

كانت مصر كلها تنتظر «عود الكبريت» الذى يمكن أن يشعل الثورة ويفجر موجة الغضب، وكان القادة ينتظرون الفرصة.. ينتظرون تحرك الشعب.. وكان الشعب ينتظر «عود الكبريت» ويومها سألوا سعد زغلول: وما العمل؟ قال: نحن فى انتظار «القارعة»، أى السبب الذى يفجر غضب الجماهير ويحركها.. ويدفعها إلى الثورة.

وجاءت هذه «القارعة»، أقصد عود الكبريت، عندما أقدمت سلطات الاحتلال على اعتقال سعد زغلول وأصحابه.. وذلك يوم 8 مارس 1919 وحبستهم فى فندق شهير فى ميدان سليمان باشا الفرنساوى تمهيداً لنقلهم صباح اليوم التالى إلى بورسعيد.. ليتم نفيهم خارج البلاد.. هنا اشتعلت مصر من أقصاها إلى أقصاها.. واشتعلت الثورة التى عُرفت باسم ثورة 19 صباح يوم 9 مارس 1919، ولم يكن هناك لا فيس بوك، ولا تويتر.. ولا إنترنت.. وتعجب الإنجليز من سرعة رد فعل كل المصريين على قرار الاعتقال، واستجابتهم وثورتهم، بعد ساعات - نعم ساعات - من قرار الاعتقال.. اشتعلت الثورة، وكان سعد زغلول وأصحابه فى طريقهم إلى بورسعيد لتنقلهم السفينة إلى المنفى.

كان الشعب كله ينتظر هذه القارعة.. وكذلك كان زعماء الشعب ينتظرون، وما إن اقترب عود الكبريت حتى تفجرت أول وأكبر ثورة شعبية عرفها الشرق كله هنا فى مصر.. ولم تتوقف الثورة إلا بعد 4 أعوام بالتمام والكمال.. عندما أجبرت سلطات الاحتلال على إصدار تصريح 28 فبراير 1922 باستقلال مصر.. ثم بإعداد أول دستور - ليس منحة من الحاكم - وإجراء انتخابات برلمانية هى الأولى من نوعها.. وجاء الشعب بزعيم هذه الثورة وهو سعد زغلول إلى مقاعد الحكم، من خلال هذا البرلمان المنتخب فى يناير 1924 باستكمال 5 سنوات من 1919 إلى 1924، وما أشبه اليوم بالبارحة!!

إذ مصر الآن تغلى بالثورة.. رغم وقوع ثورتين: الأولى فى يناير 2011، ثم فى يونيو 2013 وها نحن الآن فى العام الخامس.. فما هو السبب؟!

هل السبب هو انتظار قارعة جديدة ينتظرها شعب متعجل للإصلاح وضرب الفساد.. وإعادة بناء كل مقومات الدولة الحديثة.. وهل هذه القارعة هى ما حدث - من ساعات قليلة - باقتحام السلطة لمقر نقابة الصحفيين، معقل الحريات، بينما كل الأسرة الصحفية تحتفل بذكرى إنشاء النقابة منذ 75 عاماً.. وكل ذلك عشية الاحتفال العالمى بحرية الصحافة؟! وحتى لو كانت السلطة تنفذ قرار النيابة العامة بالقبض على زميلين رأت أنهما ارتكبا جريمة، ولكنْ فرق كبير بين المواد القانونية.. وروح القوانين، رغم أن القانون رقم 76، وهو قانون نقابة الصحفيين لعام 1970، ينص فى مادته رقم 70 على أنه «لا يجوز تفتيش مقار نقابة الصحفيين ونقاباتها الفرعية أو وضع أختام عليها إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة وبحضور نقيب الصحفيين أو النقابة الفرعية أو من يمثلهما» إلا أن القارعة وقعت.. واشتعلت الأزمة.. وتم الاقتحام والقبض على الزميلين اللذين - اعتقدا - أن النقابة «مانعتهما» من أى اعتقال.. وهو فى نظرى «سوء تقدير من السلطة» حتى وإن كان معها قرار من النيابة المختصة، لأن روح القوانين تكون دائماً فوق أى نصوص قانونية، ولكن السلطة - هنا - لم تضع فى اعتبارها مبدأ «روح القوانين» فكانت الواقعة.. أقصد القارعة التى نخشاها لأن لسان الحال يقول - وفوراً - هى ناقصة!!

■ ■

وكان يجب على من أصدر هذا القرار، وهو النيابة العامة، وأيضاً من نفذ القرار أن يلجأ إلى السلطة الأعلى.. والرئيس هنا مش ناقص.. وليس بينه وبين أى مسؤول أى حجاب.. وهذا يذكرنا بواقعة القبض على رجل الأعمال المعروف المهندس صلاح دياب ووضع الكلبشات فى يديه تعمداً إهانته.. ثم تصويره هكذا - بالحديد - وهو ما أثار الرأى العام.. وأثار كل رجال الأعمال.. بل هو ما دفع الرئيس إلى التدخل سريعاً لإنقاذ الموقف.. بل توبيخ من قام بتصوير هذه الواقعة.

■ ■

نعم.. هل نعانى - فعلاً - من قصور سياسى.. حتى وإن كانت كل القوانين مع من اتخذ قرار القبض.. ثم قرار اقتحام مقر نقابة الحريات.. أقصد الصحفيين سابقاً؟

نعم.. هناك قصور سياسى.. ربما يتعمد الوقيعة بين النظام والإعلام!!

*نقلا عن صحيفة "المصري اليوم".


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.