عاجل

البث المباشر

أية دولة؟ وأية هيبة؟

دخول المتظاهرين إلى قاعة الجلسات في مبنى مجلس النواب على النحو الفوضوي الذي جرى يوم السبت الماضي،30 نيسان، هو تجاوز على هيبة الدولة التي يمثّل البرلمان أعلى سلطة فيها.. لا شكَّ في هذا.
تعدّي بعض المتظاهرين على عدد من أعضاء المجلس، هو تجاوز على هيبة الدولة ورجالها ونسائها.. لا شكَّ في هذا أيضاً.
عبث بعض المتظاهرين بمحتويات قاعة الاجتماعات وسواها من أقسام مبنى المجلس، هو تجاوز على هيبة الدولة وإضرار بالمال العام.. لا شكَّ في هذا أيضاً وأيضاً.
تلطيخ إحدى القنفات (الكنبات) ناصعة البياض في مكتب رئيس المجلس بالدم والأوساخ، مما أرغم رئيس المجلس ورئيس الوزراء على الوقوف أمامها طويلاً وتأملها عميقاً وإظهار علامات الأسى والأسف، هو تجاوز على هيبة الدولة.. لا شكّ في هذا أيضاً وأيضاً، وكذلك.
لكن، ماذا عمّا فعله عدد غير قليل من أعضاء المجلس، قبل ذلك ببضعة أيام فقط، عندما رموا رئيس مجلسهم ورئيس الحكومة ومرافقيهما بقناني الماء وعلب المناديل الورقية والمايكروفونات التي "شلعوها وقلعوها" من فوق طاولاتهم؟.. ألم يكن ذلك تجاوزاً على هيبة الدولة وتعدّياً على رجالها؟.. ألم يكن "شلع وقلع" المايكروفونات إضراراً بالمال العام يشبه الإضرار الذي ألحقه بعض المتظاهرين بمقاعد قاعة المجلس وبقنفة (كنبة) رئيس المجلس؟.. ما الذي فعله رئيس المجلس وهيئة رئاسة المجلس ورئيس الوزراء لمقاضاة ومحاسبة الأعضاء المتجاوزين على هيبة الدولة ورجالها؟
لكن أيضاً، ألم تكن سرقة مئات مليارات الدولارات من قبل رؤساء حكومة ووزراء ونواب ووكلاء وزارات ومدراء عامين ورؤساء مؤسسات وهيئات وسفراء وأفراد عوائلهم وحاشياتهم على مدى أكثر من عشر سنين، تجاوزاً على هيبة الدولة وإضراراً بالمال العام؟.. ما الذي فعله مجلس النواب والحكومة لملاحقة سرّاق هذه المليارات الذين هم من قيادات وكوادر الأحزاب الحاكمة، ولاسترداد هذه الأموال التي هي أموال الشعب؟
لكن أيضاً وأيضاً، ألم يكن انهيار المؤسسة العسكرية والأمنية، التي صرفت عليها الدولة مئات مليارات الدولارات، أمام داعش الإرهابي وتمكّنه من احتلال ثلث مساحة البلاد في أيام قلائل وبقاؤه في مناطق واسعة ومدن مهمة حتى اليوم.. ألم يكن هذا تجاوزاً على الدولة وهيبتها وتعدّياً على الشعب الذي قُتِل منه عشرات الآلاف وسُبي الآلاف ونزح الملايين؟.. ما الذي فعله مجلس النواب والحكومة لمساءلة وملاحقة المسؤولين عن ذلك؟.. ما الذي حلّ بالتقرير البرلماني عن احتلال الموصل؟ وما الذي انتهت إليه التحقيقات عن المجازر التي رافقت الاحتلال الداعشي، وبخاصة مجزرة سبايكر؟ أليس في هذا الموقف البرلماني والحكومي تجاوز على الدولة وهيبتها وعلى حق الشعب في معرفة الحقيقة وفي مساءلة المتسببين والاقتصاص منهم؟
نعم بالتأكيد، ما قام به بعض المتظاهرين داخل مبنى مجلس النواب كان تجاوزاً على الدولة وهيبتها.. لكنّ هذه الدولة لم تكن لها في الأساس هيبة ولا تقدير ولا اعتبار ولا احترام ولا كرامة.. دولة فقدت هيبتها وتقديرها واعتبارها واحترامها وكرامتها بفعل فاعل... الفاعل هو رجال هذه الدولة أنفسهم. فما الذي سيفعله البرلمان والحكومة الآن لملاحقة هذا الفاعل ومساءلته ومعاقبته عمّا ألحقه بهيبة الدولة من تجاوزات وعمّا تسبّب فيه من تعديات؟

*نقلاً عن "المدى" العراقية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات