هالة كوثراني

نشر في: آخر تحديث:

فقدت أوهامي وما عادت بيروت تلهمني. ما اختبرناه في الأشهر الماضية محا أجمل الأوهام وسلبنا فرصة «الضحك على أنفسنا». بقيت لنا زوايا في الزوايا. يمكن أن نتناسى فيها رائحة الهواء النتنة وسؤالاً يتكرر بوضوح: أنلحق بمن غادروا؟ فكرة الرحيل في وعينا، ونحن، مذ كنا أطفالاً، لا نتوقف عن وداع أصدقاء وأقرباء اختاروا الهجرة أو أُرغموا عليها. لم يبقَ في بيروت من أصدقاء الدراسة إلا قلّة قليلة، وفايسبوك شاهد على هذا الواقع. الغربة قدر معظمنا، غربة في الداخل وغربة في الخارج. ولعلّها تقدّم فرصاً ثمينة ربما لم ولن تقدّمها الأرض التي نسميها وطناً ونغني نشيدها. وكنا إذا حاولنا الابتعاد نشتاق إليها... وكنا نتوق إلى العودة.

العمل من أهم أسباب الهجرة، وكذلك الدراسة وتحسين نوعية الحياة والطموح الذي لا حدود له والهروب من عدم الاستقرار الأمني ومن جمود الوضع الاقتصادي. في سباق البحث عن حياة جديدة، سواء كانت الهجرة قسرية أو اختيارية، تبهت صور الحياة القديمة ويبتعد أهلها. «بعيد عن العين بعيد عن القلب»، أيمكن أن ينطبق هذ المثل على العلاقة بين ابن ووالديه؟ في هذه الحالة تصبح القسوة غير محتملة، لكنها حقيقية، نسمعها ونلاحظها ونعيشها. يبقى الأهل في البلد الأم ينتظرون رنين الهاتف أو إشارات الكومبيوتر، التي تعلن عن قرب رؤيتهم وجوه الأحباء وسماع أصواتهم ومعرفة أخبارهم.

تلمس الأم شاشة الهاتف وهي تستمع إلى صوت ابنتها وتحدّق إلى وجهها، تتخيّل أن ابنتها معها، أنهما في غرفة واحدة تتحادثان، تفضفض لها وتحكي عن الشوق والتضحية والإحساس بالاطمئنان، حين يحدث مكروه هنا «أرتاح لأنكم هناك». عاطفة الأهل المجروحة بغربة أبنائهم مجرّدة من الأنانية. فالظروف في الخارج أفضل والفرص أكثر والأفق أوسع. صعب أيضاً قلق الأولاد المهاجرين على أهلهم الذين يكبرون وحدهم من دون سند أو رعاية ممن منحوهم الحياة.

* نقلا عن مجلة "لها"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.