ماذا حدث للقومية العربية؟

جلال أمين

نشر في: آخر تحديث:

سوف يتذكر كثير من القراء تلك الحادثة المخزية، التى وقعت فى أواخر عهد مبارك، عندما تشاجر فريق كرة القدم المصرى مع الفريق الجزائري، عقب مباراة مهمة بينهما، كانت تجرى فى السودان، واشتد فيها غضب الفريق المهزوم (الذى كان الفريق المصرى فيما أذكر)، وأدى ذلك الى تصاعد المشاعر العدائية فى الجانبين، وانتشر هذا الشعور العدائى لعدة أيام بين أفراد الشعبين المصرى والجزائرى على السواء.

كانت حادثة مخزية بسبب عجز أعضاء أى من الفريقين التمييز بين نتيجة مباراة فى كرة القدم، والمشاعر الثابتة التى يتوقع أن تسود بين الشعبين المصرى والجزائرى لأسباب تاريخية وقومية عديدة لا تحتاج إلى تذكير القارئ بها، ثم أصبحت مخزية أكثر عندما عجز نظام الحكم فى مصر عن إدراك ضرورة هذا التمييز، إذ وجه الابن الأكبر للرئيس المصرى فى التليفزيون عبارات شديدة اللهجة الى السفير الجزائري، دون أن يكون له، أى لهذا الابن، أى صفة رسمية تسمح له بمثل هذا الكلام. وقد كتبت وقتها مقالا أعلق فيه على ما حدث، ووصفته بأنه يشبه عراكا بين صبية من أسر مختلفة كان المفروض أن يدرك آباؤهم وأمهاتهم طبيعته، فيتدخلون بالحسنى للصلح بينهم، فإذا بهم يتصرفون مثل تصرف الصبية أنفسهم.

وتصادف أن كنت مدعوا لحوار تليفزيوني، عقب ما حدث، وسألتنى المذيعة الشهيرة عن رأيى فعبرت عن استيائى الشديد لما حدث، وقلت فى حديثى شيئا معناه أن هذا الذى حدث يتعارض مع ما يجب أن يحدثه الشعور القومى العربى، فأبدت المذيعة استغرابها (وهو ما استغربته أنا بدورى)، إذ عبرت المذيعة، على نحو أو آخر، عن الشعور العدائى نفسه، الذى اتخذته السلطة المصرية، إما مجاراة منها للسلطة، أو لسبب آخر لم أشعر، على أى حال، بأى تعاطف معه.

فى اليوم التالى التقيت بعض طلبتى فى الجامعة الأمريكية، وأردت أن أتبين حقيقة شعورهم نحو قضية القومية العربية، فصدمت بشدة، إذ وجدت بعضهم وكأنهم يسمعون عن القومية العربية لأول مرة، وأنهم استغربوا موقفى بدورهم، مثلما استغربته المذيعة.

ولكنى سرعان ما تبينت أن هناك أسبابا مفهومة تماما لاختلاف موقفهم عن موقفي، لقد نشأت أنا وترعرعت على فكرة القومية العربية، ونشأوا هم وشبوا على عكسها، ولكن الفهم شيء والتعاطف شيء آخر، نعم، إنى أفهم لماذا يتخذ كثير من الشباب العربى اليوم هذا الموقف السلبى من القومية العربية، ولكنى لا أتعاطف مع هذا الموقف بتاتا، بل واعتبره تدهورا لا شك فيه، ليس فقط من ناحية المصلحة السياسية للعرب بوجه عام، بل وحتى من الناحية الأخلاقية، اذا جاز هذا التعبير.

إنى أفهم العوامل التى أدت إلى ما أصاب الشعور القومى العربى من ضعف، منها تصرفات الساسة العرب، واحدا بعد الآخر، عقب هزيمة 1967، ومنها الفشل العربى فى تحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية منذ ذلك الوقت، مما أسهم فى إضعاف شعور الشباب العربى بأى نوع من الانتماء، يتجاوز مشاريعهم الخاصة، ومن هذه العوامل ما وجه للقومية العربية من هجوم ونقد من مختلف القوى الخارجية المعادية لها، فضلا بالطبع عن مرور هذا الوقت الطويل، الذى يزيد على نصف قرن دون أن تحرز دعوة القومية العربية أى تقدم، فزاد رسوخ الدولة العربية الصغيرة فى حدودها الضيقة، بكل ما يعنيه ذلك من تطور مستقل لكل دولة عربية على حدة، وكأن الدول العربية الأخرى لا وجود لها، أو كأنها دول غريبة لا تستحق معاملة تختلف عن أى دولة أجنبية.

أما أن هذا التطور مؤسف للغاية من وجهة نظر المصلحة العربية السياسية والاقتصادية، فيكاد يكون بديهيا ولا يحتاج الى بيان، ولكن ما قد يحتاج الى بيان هو الأسباب الأخرى لهذا الشعور بالأسف.

من الأفكار النيرة التى أعود إلى تذكرها من حين لآخر، ما عبر عنه أحد دعاة القومية العربية العظام، فى الأربعينيات من القرن الماضي، أى منذ نحو سبعين عاما، إذ قال ما معناه إن الدول التى نصفها بالدول المتقدمة، والتى تدعو الآن الى نظرة إنسانية شاملة، والى تجاوز النظرة الشوفينية أو الوطنية الضيقة، تفعل ذلك بعد أن مرت هى نفسها وأتمت مرحلة القومية، فوحدت أجزاء شعبها المتفرقة، فى وحدة سياسية أحرزت من خلالها تقدمها الاقتصادى والاجتماعي، بينما نطالب نحن العرب بأن يكون ولاؤنا عاما للإنسانية كلها قبل أن نجمع شمل أمتنا المتفرقة.

ليس هذا بالطبع إلا مثالا واحدا لما يقع من ظلم على أمة تأخرت عن الركب، فلا يسمح لها بما سمح به المتقدمون لأنفسهم، ولكن هناك جانبا آخر للولاء القومى يمكن أن يندرج تحت «الجانب الأخلاقي»، إن الحكم بـ «بالرقى الأخلاقي»، على موقف معين لا يتوقف فقط على مدى اتساع دائرة الولاء (فيعتبر مثلا اقتصار الشعور بالتعاطف مع الأسرة الصغيرة بدلا من امتداده للأمة كلها أو حتى للناس جميعا)، بل يتوقف الحكم بـ «الرقى الأخلاقي» أيضا على طبيعة الباعث على الشعور بالتعاطف أو الولاء وسببه، قد يكون أدنى أنواع الولاء، من الناحية الأخلاقية، هو ذلك الذى يكون الباعث عليه الحاجة المادية البحتة، أى ولاؤك لمن يطعمك أو من تعتمد عليه فى كسب رزقك، وقد يكون الأرقى منه الولاء بسبب طول المعاشرة، أو التاريخ المشترك، أو وحدة الثقافة..

إن مثل هذا هو ما يدفعنى لاعتبار الولاء القومى أرقى من الولاء للشركة التى تدفع لك راتبك، كما أنه أرقى من الموقف الذى يؤدى الى التضحية بكل الروابط العاطفية والقومية فى سبيل تحقيق الرقى المادى.

ومع ذلك فإنى أميل الى الاعتقاد بأن أقوى دفاع عن القومية العربية، هو أن الولاء لها شرط أساسى لتحقيق هذه الأمة التى هى الأمة العربية، أى إسهام فى الحضارة الإنسانية، ذلك أن التنكر للقومية العربية لا بد أن يؤدى فى رأيى الى التضحية بكل مظاهر القوة الحقيقية التى يمتلكها العرب، قوة اللغة والثقافة العربية، التى أسهم فيها الدين بنصيب كبير، ولكنها لا ترجع الى الدين وحده..، إن استمرار التجزئة والفرقة بين البلاد العربية لا بد أن يزيد العرب ضعفا على ضعف، ومن ثم يضعف الأمل فى أن يسهم العرب بأى نصيب فى الحضارة الإنسانية، كما أن الانشغال الراهن بالمطامح الاقتصادية سواء للفرد العربى أو للدولة العربية الصغيرة، لا بد أيضا أن يضعف الأمل فى تحقيق هذا الإسهام.

عندما يخطر لى هذا، كثيرا ما أتذكر تحفظ المؤرخ البريطانى الشهير «أرنولد توينبي»، فى حكمه على التجربة اليابانية فى اللحاق بالغرب، إذ قال إن هذه التجربة كانت للأسف مقلدة (mimetic) وليست خلاقة.

كان «توينبى» بلاشك لا يعتبر ما أحرزته اليابان من تقدم اقتصادى سمح لها بأن تصبح ندا للغرب، عملا خلاقا بدرجة كافية يؤهل اليابان لتقديم إسهام حقيقى للحضارة الإنسانية، لا يمكن لأحد بالطبع أن ينكر أن التقدم الاقتصادى شرط أساسى من شروط النهضة لأى أمة، ولكن الهدف النهائى لا يجب أن يكون اقتصاديا بحتا.

إذا كان هذا التحليل صحيحا، فهل لنا أن نتساءل عما اذا ماكانت هناك فرصة لإحياء فكرة القومية العربية. فى هذا العالم الذى تزيد فيه سيطرة الأهداف الاقتصادية على حياتنا، يوما بعد يوم؟.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.