كلهم لصوص

درية شرف الدين

نشر في: آخر تحديث:

كثيراً ما لفتت انتباهى أحكام بالبراءة تم منحها للصوص استباحوا المال العام وكوّنوا ثروات طائلة من وراء رشاوى قدموها، فى غيبة من الضمير والأخلاق والرقابة إلى موظفين عاديين وأحياناً إلى موظفات يتم اصطيادهم للحصول على مميزات ليست لهم: تراخيص بناء أو إزالة، أراضٍ، أذون استيراد وتصدير، أموال أو أملاك لآخرين.. وكثيراً أيضاً ما لفتت انتباهى أحكام أخرى بالبراءة للصوص من نوع آخر أو هم على الجانب الآخر من نفس تلك العمليات وهم الوسطاء ما بين الراشى والمرتشى، أموال أو مزايا يتم الاتفاق عليها بواسطتهم من فوق المائدة أو من تحتها وهم على ثقة بأن ما سيدفعه الراشى باليمين سيتم استرداد أضعافه بالشمال ومعها عمولاتهم.
كلاهما لص، الراشى والوسيط وثالثهما المرتشى.. صفقات سرية وثروات متراكمة وسرقات قد تدوم لسنوات، فإذا ما تم اكتشافها فكلهم يذهبون إلى المحكمة فإن اعترف الراشى فإن القانون يمنحه حق العفو عنه وعن جريمته باعتباره قد ساند العدالة، وإذا اعترف الوسيط فإنه سينال نفس العفو باعتباره هو الآخر قد ساند العدالة وساعد المحكمة فى كشف خبايا الجريمة، أما الثالث وهو المرتشى فتتم معاقبته. هذا هو القانون وهذه هى أحكامه.

ومع عظيم احترامنا للقانون إلا أن ما يحدث من عفو عن الراشى والوسيط نراه – من وجهة نظرنا – أمراً لا يمتّ للعدالة بصلة، بل فيه إبراء لذمة اثنين من الفاسدين لا يستحق أى منهما أى عفو أو براءة، ويجب أن يكون مكانهما السجن، شأنهما شأن المرتشى فالجريمة واحدة، وإعفاء الاثنين من العقوبة عند الاعتراف ليشجع الراشين والوسطاء على الاستمرار فى جرائمهم، وقد لا يوفّقهم حظهم الحسن أبداً تحت طائلة العقاب لسنوات وسنوات وربما لا تكتشف جرائمهم للأبد، فإذا ما تم ضبطهم فطريق النجاة مفتوح وهو العفو بحكم القانون.

وقد طالعتنا السنوات الأخيرة ببعض القضايا التى أثارت تساؤلات لدى الرأى العام محورها تلك المفارقة فى الأحكام فى نفس القضايا ما بين السجن والبراءة، مع أن الجريمة واحدة وأطرافها مشاركون فعليون، وكان السؤال المطروح: لماذا التفرقة خاصةً أن الاعتراف لم يأتِ إلا بعد القبض عليهم جميعاً، ولم يكن الراشى والوسيط سبباً فى الكشف عن وقائع الرشوة، أى عن الجريمة.

وقد اطلعت على رأى للمستشار حسن حسانين رئيس محكمة جنايات القاهرة سابقاً وأراه فيما يخص هذا الموضوع رأياً سديداً وهو يقترح تعديل نص المادة الحالية من قانون العقوبات إلى: يعاقب الراشى والوسيط بالعقوبة المقررة للمرتشى، ويتم إعفاؤهما أو أحدهما من العقوبة إذا أخبر أحدهما – مسبقاً – السلطات بالجريمة، أو يعاقبان بعقوبة الجنحة بدلاً من الجناية حسب ملابسات كل قضية.

رأى سديد بالفعل يعالج تلك المادة الحالية التى تمنح العفو للصوص لم يعترفوا إلا عندما وقعوا فى الفخ.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.