عاجل

البث المباشر

إفتى يا مفتى

سيبك من الشماتة، هذا مرض، فى قلوبهم مرض، زادهم الله مرضا، ولكن بقدرة قادر البلد امتلأت طيارين، وملاحين، لم يتخلف أحدهم عن الفتيا، وهات يا فتى، من الفتوى، بثقة الجاهل يُفتى فيما لا يعرف، الأخبار تتوالى صاخبة، لا يلقى بالاً، وهو جالس متنمراً أمام الحاسوب يفتى ويفسفس ويتوت ويغرد.

سبحان الله، أول مرة أرى شعباً من الطيارين، عجباً مصر للطيران تعانى من أزمة طيارين، وعندها هذا العدد المهول من الطيارين المدنيين المتقاعدين، البلد راكبة طيارة من إمبارح، كله راكب الهواء وشارخ يفتى، ويشير، أصل الطيارة قديمة، وأنا ركبتها وكانت مقاعدها مخلعة!!.

ظاهرة المفتين المتقاعدين على مؤخراتهم أمام شاشات الحاسوب تستأهل التوقف والتبين، ربنا وعدنا بجماعة من المفتين، يفتون فى كل شىء وأى حادث، فوق الخيال، فوق السحاب، ثقافتهم الجوية إذ فجأة بلغت عنان السماء، يفرقون بين الطرازات، ويحددون المسارات، ويقرأون الخرائط، ويراجعون تأمين المطارات، ويحللون الصندوق الأسود فى بطن الحوت الأسود فى قاع البحر الأسود.

بالأمس كانت الحمى شديدة، فتوى فى أدق التفاصيل، فى طراز الطائرة، وعمرها الافتراضى، وساعات الطيران، وكفاءة طاقم الطائرة، وارتفاعها، ومسار الرحلة، سمعت عجبا، ومن شخوص أعجب، شخوص لم تركب طائرة فى حياتها، وكل علاقتها بالطيران يوما أنها أطلقت طائرة ورق فى غيط العنب، طيرى يا طيارة!!.

كله بيفتى فى كله، حالة مخيفة من البغبغة السقيمة أصابت البلد، تصنع غيمة من الشائعات تتسلل فى ثناياها معلومات خبيثة تبثها دوائر تستهدف الإرباك، حالة من البلبلة والتشتت والخداع، عنعنات ومرويات، وكله يقطع ويجزم، وينسب الهراء إلى الهراء، هرى فى المهرى.

ساعات من الترقب والعيون متعلقة بالشاشات، والعقول مشتتة، والقلوب واجفة، ودعوات اللطف يا رب تلهج بها الألسنة، وهم يسابقون المحللين المتخصصين، ويبزون خبراء الطيران والملاحة الجوية، حتى لا يتوقفوا «هنيهة» لسماع معلومة صحيحة أو خبر جديد، يسابقون فى الأخبار، وينقلون عن صفحات مشبوهة ويشيّرون، ولا أعتى خبراء بوينج وإيرباص.

جلس أمامى متكئاً على كرسى خيزران متهالك، وطفق يحلل أهداف العملية الإرهابية الموقوتة، ويقطع جازما أن توقيت الاختفاء من على شاشات الرادار محسوب بالثانية، أول ما دخلت الطيارة المجال الجوى المصرى، هوووووب فرقع لوز، اختقى، ياعم مش صدفة، أقطع دراعى عملية إرهابية، اشمعنى المجال الجوى المصرى، الطيارة قطعت أوروبا كلها زى الفل واربعتاشر، يعنى أول ما تلمس المجال الجوى المصرى تختفى، يا جماعة المؤامرة كبيرة قوى.

ومن آخر المقهى، نطق الصامت، وكأنه يقرأ من كتاب تعليمات الطيران المدنى، محدداً الارتفاع، والهبوط، ولماذا الهبوط، وأضاف لمسته المذهلة، الطيار المصرى طول عمره وطنى، لما حس (من الإحساس) إنه هيقع، زود السرعة حبتين، أحسن له ولنا يقع فى المجال الجوى المصرى، على الأقل فى بلده، طيار فاهم، يعنى يسلم الطيارة للأجانب، العملية كبيرة قوى يا جماعة.

نفس الوجوه، هم أنفسهم من يفتون فى ماديات الطائرة «الرافال»، ويقيمون جدوى صفقة «الميسترال»، ويشرحون دورة الوقود الحيوى فى مفاعل الضبعة النووى، ولا ينسون فى تحليلاتهم التداعيات المحتملة لبناء سد النهضة، ولا يهملون الحديث عن الجدوى الاقتصادية لمشروع قنال السويس، ولم ينجُ من الفتى والهرى مشروع المليون ونصف فدان، يفتون فينا آناء الليل وأطراف النهار، وعلى مدار الساعة، رحماك يا رب، انت فين يا فضيلة المفتى.

هل ضحايا الجو مثل ضحايا البر شهداء؟!

*نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات

الأكثر قراءة