كيف نواجه الإرهابيين الجُدد؟

معتز بالله عبد الفتاح

نشر في: آخر تحديث:

الإرهاب فى العالم سيزداد. واستهداف الطائرات وأماكن تجمع الأبرياء سيكون أمراً أكثر تكراراً خلال سنوات عمرنا المقبلة. ستقل الحروب بين الدول، وستزداد الحروب الأهلية داخل الدول، ومعها ستزداد عمليات العنف منخفضة المستوى (وهذا هو التصنيف الأكاديمى للعمليات الإرهابية).

لكن فيض الإرهابيين الجدد يزداد. والقضية هنا تقتضى أن نطرح أسئلة عن ماهية المقررات التعليمية والبرامج الإعلامية والأساليب الفكرية الموجّهة ضد هؤلاء؟

كتب هارون يحيى، وهو كاتب تركى لى عليه عدد من التحفّظات، مقالاً جيداً يناقش هذه القضية. يقول: تبدو التفجيرات الانتحارية العنيفة والمتتالية التى حدثت خلال الشهر الماضى فى أماكن متفرقة، من العراق إلى اليمن، ومن نيجيريا إلى باكستان، ومن تركيا إلى بروكسل، مقدمة لموجة عنيفة من الإرهاب العالمى. كما تجعلنا الزيادة الكبيرة فى عدد الهجمات الانتحارية، وفى تكرارها وشدتها، نفكر بأن الأشخاص العاديين قد يواجهون هذا الوجه القبيح للإرهاب مرات أكثر فى المستقبل القريب.

فى السابع والعشرين من مارس، استهدف تفجير انتحارى حديقة فى مدينة لاهور الباكستانية، مما أدى إلى مقتل اثنين وسبعين شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، وجرح ما يقرب من 350 آخرين. وأفاد تقرير بأن منفذ الهجوم اقترب من منطقة لعب الأطفال، وقام بتفجير القنبلة التى كان يرتديها. قبل تلك الحادثة بيومين فقط، تسبب هجوم انتحارى فى ملعب بالمدينة العراقية الإسكندرية، فى مقتل 41 شخصاً وجرح 105 آخرين، كما انفجرت ثلاث سيارات مفخخة فى ثلاث مناطق بمدينة عدن اليمنية منذ أيام قليلة، مما أدى إلى مقتل 26 شخصاً.

فى السادس عشر من مارس، استهدف هجوم نفّذته انتحاريتان تدّعيان الانتماء إلى جماعة «بوكو حرام»، مسجداً فى مدينة مايدوجورى فى نيجيريا أثناء وقت الصلاة، مما أدى إلى قتل 24 وجرح 23 مسلماً.

وخلال شهر مارس أيضاً، تسبب هجومان انتحاريان فى مدينتى أنقرة وإسطنبول التركيتين، قامت بهما منظمة «بى كا كا» الإرهابية فى قتل ما يقرب من خمسين شخصاً وجرح العشرات.

وهذه مجرد أمثلة قليلة على الهجمات الانتحارية التى وقعت فى شهر مارس فقط، وقد كان هناك هجوم انتحارى كل يوم تقريباً حول العالم فى الآونة الأخيرة.

تتسبّب الهجمات الانتحارية فى استشهاد آلاف المسلمين كل عام بالبلاد الإسلامية، وبشكل لا إنسانى تعتبرها بعض الدوائر الغربية «حراكاً طبيعياً فى منطقة الشرق الأوسط»، وبناءً على الاعتراف بالطبيعة المشينة لتلك التصريحات منذ هجوم باريس 2015، فقد أثار الهجوم الانتحارى الذى وقع مؤخراً فى 22 مارس فى منطقتين مختلفتين من بروكسل -التى تعد فى قلب أوروبا- قلق العالم الغربى.

ويواجه المجتمع الغربى الآن حقيقة أن الإرهاب ليس شيئاً على الشرق الأوسط فقط أن يتعامل معه، لكنه كارثة تجتاح العالم.

منذ الثمانينات، بدأت جماعات ذات أيديولوجيات كثيرة فى تبنى التفجيرات الانتحارية طريقةً للإرهاب، ومن بينها فى المقام الأول المنظمات الإرهابية الماركسية الشيوعية والجماعات الإرهابية الدينية المتطرفة.

تُحفّز هذه المنظمات الإرهابية منفذى التفجيرات التابعين لها بما يتماشى مع قيمهم الأيديولوجية التى يعتقدونها، ثم بعد ذلك تُقنعهم وتُحضرهم لتلك الأعمال العنيفة، ويأتى هذا التحفيز العاطفى والمثالى من الجماعات والأحزاب الماركسية الشيوعية.

وعلى ذلك، فبينما يُعتبر هؤلاء الأفراد أشخاصاً عاديين لا قيمة لهم ولا أهمية، يتم إقناعهم بأنهم «أبطال الحرية الذين سيُخلدون، بترك بصمتهم فى العالم وكتابة اسمهم فى تاريخ الثورات». وفى الجماعات الدينية المتطرفة، يكون تشجيعهم على تنفيذ تلك الهجمات الانتحارية بانتهاك القيم الدينية، مثل «الجهاد والشهادة ودخول الجنة»، وحقيقة لا يوجد فى القرآن الكريم أساس لذلك، ولا يوجد كلام إلهى يسوغ هذه الهجمات الدنيئة.

وعلى النقيض تماماً، فالهجمات الانتحارية حرام طبقاً للقرآن الكريم، وهى ليست سوى قتل جماعى، ليس لأنفسهم فقط وإنما لأشخاص أبرياء أيضاً، ويجب أن نتذكر أن الانتحار أيضاً يعد جريمة قتل.

يقول الله تعالى فى سورة المائدة «أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا»، ولهذا ففكرة أن الله تعالى قد يحب ارتكاب مثل تلك الأعمال الوحشية، دون تمييز بين الرضع والأطفال وكبار السن والأبرياء، لا يمكن إلا أن تكون نتاج عقل جاهل مُضلل، وغير واعٍ، ولا منطقى، جاهل بالقرآن الكريم.

يقوم علماء الدين الجاهلون أحياناً بغسل أدمغة هؤلاء الأفراد الجهلة غير الواعين، وأحياناً أخرى يتم ذلك عن طريق تجار الدين المضللين المتعصبين الذين يستمدون قوتهم من التطرّف، وفى ظل تلك المؤثرات الخبيثة، يصبح بعض الأشخاص مستعدين لتنفيذ جميع أنواع العنف والأفعال المتعصّبة.

وفى بعض الأحيان تعتبر المنظمات الإرهابية الأطفال الصغار فى العائلات الفقيرة -الذين يحتاجون إلى تعليم وإقامة مجانية- المرشحين المفضلين لأن يصبحوا انتحاريين. فى الواقع، وفقاً لشهادة طفل فى الثانية عشرة تم تجنيده مؤخراً ليقوم بعملية انتحارية قرب بيشاور، لكنه قام بتسليم نفسه إلى قوات الأمن فى أفغانستان، فهناك الكثير من الأطفال يدرّبهم رؤساؤهم الذين يعدونهم بأنهم سيذهبون إلى الجنة ويتحررون من مشكلاتهم بتنفيذ الهجمات الانتحارية.

وهؤلاء الأشخاص الذين تشجعهم الجماعات الماركسية الشيوعية ليصبحوا انتحاريين يتم أيضاً خداعهم بأكاذيب الأناركية الفوضوية الشيوعية، ويخضعون لتدريب أيديولوجى جاد.

ما يجب أن يقال هنا إنه ليس هناك مغزى من ترويع هؤلاء الأشخاص المضللين، الذين هم على استعداد لتعريض أنفسهم لخطر الموت فى سبيل أيديولوجية كاذبة مزيفة، بتهديد بالقتل أو بالقنابل أو بالأسلحة أو العمليات الإرهابية. لم تُسبّب هذه الطرق -حتى اليوم- سوى زيادة عدد الانتحاريين، فالعنف دائماً ما يولد المزيد من العنف.

فى الواقع، تخبرنا المعلومات التى جمعتها المصادر الاستخباراتية المختلفة بأنه يوجد اليوم فى أوروبا والولايات المتحدة مئات الانتحاريين الذين درّبتهم فصائل مُختلفة، ويُعتقد أنهم يعملون خلايا مستقلة، منتظرين الوقت الذى يتحركون فيه، أغلب هؤلاء وُلد ونشأ فى تلك الدول، ويرتادون مدارس جيدة، وليس لديهم سجل إجرامى، ونتيجة لذلك من شبه المستحيل تمييزهم.

يُصبح الأشخاص الجهلة والمخدوعون أكثر وأكثر تحمّساً لتجربة الشعور بالفزع وقلة الحيلة والخوف والتهديد الذى يظهر فى المجتمع فى كل مرة يقع هجوم انتحارى. وبالتالى، فما يجب القيام به لقلب هذا الموقف المريع أمر فى غاية الوضوح؛ يجب أن يتم فى المدارس شرح الأكاذيب الأيديولوجية الكائنة خلف تلك الهجمات الانتحارية بغض النظر عن الفلسفة التى تدعو إليها، وأن تُشرح فى المؤتمرات وفى المعارض بالأدلة العلمية بأى وسيلة ضرورية، وأن تكون على جدول أعمال زعماء الرأى والسياسيين، باختصار كل أصحاب المناصب القيادية فى المجتمع، سواء الصغار أو الكبار.

الحل الوحيد هو شرح هذه الحقائق المهمة، ودحض هذه الأيديولوجية المتعصبة المتطرفة فكرياً بالأساليب القرآنية والعقلانية، والشرح المنطقى بهدف استئصال الإرهاب، وإطلاق حملة واسعة عاجلة لتوفير التعليم ورفع الوعى.

يمكن للأيديولوجية الفوضوية الشيوعية أيضاً على الجانب الآخر أن تنتهى عن طريق كشف مغالطاتها العقلية المادية، وإذا أرادت المجتمعات القضاء على التفجيرات الانتحارية، فعليهم بتحسين أنظمة التعليم والرد على الأيديولوجيات الخاطئة بأخرى صحيحة، بدلاً من وضع الأسس للمزيد من العنف أو تقييد حرية مواطنيها.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.