عاجل

البث المباشر

رياض نعسان أغا

كاتب وسفير سابق نصب وزيرا للثقافة في سوريا عام 2006

كاتب وسفير سابق نصب وزيرا للثقافة في سوريا عام 2006

هل بقي أمل للتفاوض؟

لا أدري ما الذي يمكن أن ينجزه المفاوضون السوريون لو أنهم مضوا إلى جولة جديدة من المفاوضات في جنيف، فالأسباب التي دعت هيئة التفاوض لتأجيل المفاوضات ما تزال قائمة، وبدلاً من أن يتحسن الوضع ازداد سوءاً، بعد أن صعّد النظام حصاره على داريا واقتحمها كما اقتحم الغوطة متجاهلاً وثيقة الهدنة، وقد وجد النظام في القتال الداخلي بين بعض فصائل الغوطة فرصة لتحقيق انتصارات مرحلية، ونحمد الله أن الأهل المتحاربين في الغوطة تمكنوا أخيراً من الوصول إلى تفاهم وحلول، وقد نجح الحوار بينهم بتدخل ورعاية من الأخ د. رياض حجاب المنسق العام لهيئة التفاوض، وما حدث في الغوطة كان درساً قاسياً نخشى أن يتكرر في مناطق أخرى لا سمح الله، وكانت فصائل من الجيش الحر قد أصدرت بياناً تعلن فيه نفاد صبرها أمام ما تراه من خروقات يومية للهدنة التي لم يلتزم بها صانعوها، وجاء البيان الأميركي ناصحاً بمزيد من الالتزام، وهو يعد بأن يرفع الأميركان شكوى الجيش الحر إلى الراعي الروسي باعتبار روسيا هي الدولة المفوضة تفويضاً أميركياً مطلقاً بتحديد مصير السوريين، وهي فعلاً تمارس دورها اليوم كدولة انتداب أو احتلال لدرجة أنها تضع مسودة دستور سوري جديد نخشى أن تفرضه طائرات «السوخوي» على السوريين الذين لا ترى روسيا لهم دوراً غير الإذعان لأمرها وبخاصة في النظام وفي المعارضة التي صنعتها روسيا أيضاً.

وربما يكون الإيرانيون كذلك يكتمون استياءهم من التغول الروسي المنافس، على رغم أن الإيرانيين هم من سعوا مع النظام إلى إدخال الدب الروسي إلى الحقل السوري، ظانين أنه سيقدم لهم المساعدة العسكرية دون أن يحاصصهم في الغنائم، ودون أن يلغي حضورهم بقوة حضوره، ولو أن روسيا دخلت منصفة في بحث عن حل لرحّب بها السوريون لأنهم في قواعدهم الفقهية يختارون أخف الضررين. وروسيا لن تحمل معها إلى السوريين مشروعاً دينياً يعود إلى القرن السابع الميلادي محتجاً على خلافة معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه)، وحاملاً حقداً تاريخياً على أهل الشام، فالروس يبحثون عن مصالح فقط ولن ينشروا الأرثوذوكسية ولا الشيوعية، بينما يحرص الإيرانيون على مشروعهم المذهبي، وهم اليوم يستولون على قلب دمشق ويقيمون طقوسهم في الجامع الأموي نشوة بانتصار تاريخي، لكنه لن يحسم لصالحهم.

ويقول الروس إنهم دخلوا لقتال الإرهابيين، وبالطبع نحن لسنا ضد أن يقاتل العالم كله «داعش» التي وُجدت أصلاً للتعمية على الثورة السورية، ولاختطاف ثورة الشعب من أجل الحرية والكرامة إلى مشروع دولة «خلافة» مكّنها المالكي من دخول الموصل ومنحها المتحالفون فرصة للتمكن العسكري حين كان من الممكن إنهاؤها بسهولة، وكان وما يزال مدعاة سخرية أن يحتاج حلف يضم أكثر من ستين دولة إلى عشر سنين، كما قال أوباما، وإلى ثلاثين سنة، كما قال سواه، للقضاء على «داعش». ولكن روسيا بدل أن تحارب «داعش» حاربت المعارضة المعتدلة وقد قال الروس يوماً: «لا توجد معارضة معتدلة في سوريا، فكل من يقف ضد النظام هو إرهابي»! وقد عدّلت روسيا موقفها قليلاً، حين صنعت معارضة تؤيد النظام وهي تريد أن تكون هي المفاوضة له ليكون مطلبها الأول أمام وفد النظام «نريد الحفاظ على الأسد»!

وعلى رغم أن الروس يقولون أمام العالم إنهم غير متمسكين بالأسد، فإن ما يعوق المفاوضات الآن هو تمسكهم بالأسد ورفضهم إقامة هيئة حكم انتقالي بدونه، وهم يقولون ما ردده الأميركان أحياناً «اهزموا الأسد بالانتخابات»! ويتجاهلون أن الأسد يملك قوى الجيش السوري ويسانده «حزب الله» وجيش إيران وروسيا، وقوى أمن ومخابرات، ونصف الناخبين السوريين يعيشون في مناطقه ويخشون شبيحته وبطشهم، ونصف الناخبين الآخرين لاجئون ونازحون ومشردون في أصقاع العالم، فمن ذا يملك أن ينافس الأسد في انتخابات مهما بدت نزيهة؟ وسيكون دور المعارضة لو قبلت بدخول الأسد انتخابات هو منح الأسد شرعية أبدية، ومن المحال أن ينجح أحد ضده، لأن المعارضة لن تتفق على مرشح واحد وستضيع أصواتها في زحام الطامحين، بينما سيكون الأسد المرشح القوي الوحيد في الجهة الثانية، وإن ترشح من ينافسه في لعبة معتادة فسيقول المرشح المنافس كما قال سابقاً: «إن مشروعه الانتخابي هو دعم الأسد»!

ولا يخفى شيء من هذا على الأميركان والروس، وبعضهم يعترف كما يصرح الأوروبيون بأن سوريا لن تشهد حلاً سياسياً بوجود الأسد، وما لم تقتنع روسيا بذلك وتلتزم بقرار مجلس الأمن الذي وقعت عليه فإنه لا أمل في أن تحقق المفاوضات أي تقدم نحو حل سياسي قابل للحياة.

نقلاً عن "الاتحاد"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة