"أن تسافر بالطائرة يوم سقوط الطائرة"

رندة أبو العزم

رندة أبو العزم

نشر في: آخر تحديث:

شاء الله أن أسافر صباح يوم 19 مايو، يوم سقوط طائرة مصر للطيران، كنت أستعد للذهاب للمطار عندما علمت باختفاء الطائرة في الساعة الخامسة فجرا، بعد أن تلقيت مكالمة هاتفية من مقر قناة العربية في دبى للحديث معهم هاتفيا في نشرة الأخبار والإفادة بأى معلومات أولية، وبدأت فورا بالقيام بجمع المعلومات وإجراء سلسلة من الاتصالات بكافة المصادر والزملاء لتوزيع شبكة المراسلين والمصورين... إلخ العمل الذي أقوم به دائما في الأحداث العاجلة التي أصبحت شبه مستمرة، أما الخبر فقد كان مؤلما وثقيلا في تغطيته، فأنا على دراية كافية بهذه الأحداث التي طالما قمت بتغطيتها منذ حادث سقوط طائرة مصر للطيران في نيويورك في نهاية التسعينيات، وأعلم بطول فترة التحقيقات التي قد لا تنتهى بأى نتيجة أو إجابة شافية، ولكننا الآن أمام ظروف دولية ومحلية مختلفة، فالإرهاب الذي يضرب العالم قد يكون طال هذه الطائرة، وبالفعل كان أول تساؤل أثرته على الهواء في النشرات هو مسؤولية فرنسا التي أقلعت الطائرة من مطارها، خاصة بعد الهجوم والاتهامات التي وُجهت لمصر بعد سقوط الطائرة الروسية التي أقلعت من مطارنا.

طوال الوقت وأنا أقوم بعملى بنقل الخبر عبر الهاتف سواء أثناء ذهابى للمطار أو بعد دخولى صالة السفر، بعد إجراءات أمنية وتفتيش مكثف، كنت أنقل المعلومات المتوافرة، إلى جانب ملاحظتى نظرات الحزن والقلق في عيون الركاب الذين تجمعوا حول شاشات التليفزيون لمتابعة الأخبار، كنت أحاول القيام بعملى، فنسيت أو تناسيت أننى سأستقل الطائرة بعد قليل، وعندما اتصلت بوالدتى قبل السفر وجدت نبرة قلق وخوف في صوتها، فمازحتها قائلة من الصعب وقوع حادثين لطائرتين في اليوم ذاته.

عندما ركبت الطائرة فعلا، وتحولت من مراسلة تليفزيونية صحفية إلى راكبة بدأت أشعر بوطأة الألم وبكل ما يحمله الخبر من معانى الحزن، ودارت في ذهنى كل التساؤلات، خاصة ونحن نحلق فوق مياه البحر المتوسط، حيث وقعت الطائرة المنكوبة قبل سويعات في هذا المكان، بل أخذت أحاول أن أدقق النظر لعلى أجد حطام الطائرة!!!

هبطت الطائرة بسلام وأنهيت إجراءات الوصول وتسلم الحقائب، وتوجهت للسيارة التي ستقلنى لقرية صغيرة تقع جنوب ألمانيا لأقضى فيها إجازة أحاول فيها التخلص من الضغط العصبى الذي أواجهه طوال العام بحكم عملى، فكرت للحظات أن الضغوط تطاردنى في كل مكان، قمت بإلقاء نظرة سريعا على الهاتف، وجدت عددا هائلا من الرسائل، وتوقفت أمام رسالة من أخى قرأتها أكثر من مرة لأستوعبها، قبل أن أتصل به هاتفيا للتأكد مما كتبه، عندها أكد لى وجود اثنين من أقارب زوجته على الطائرة المنكوبة «هالة الباسل» وابنتها «إنجى سليم». «هالة» لمَن يعرفها أو لا يعرفها من أجمل وأطيب وأحب الشخصيات التي يمكن أن تقابلها، وجهها دائما بشوش، وهى الشخصية التي تتجمع العائلة حولها وعندها في منزلها، أما «إنجى» فهى أنقى وأطيب وأجمل فتاة شابة، فكرت في صدمة الخبر على والدة «هالة»، السيدة الثمانينية، التي فقدت ابنها قبل سنوات، فكرت في زوج «هالة»، الذي فقد زوجته وابنته في لحظات، وفكرت في بنت «هالة» وابنها وعائلتها وأصدقائها، وبكيت كثيرا وأنا أتحدث مع أخى الذي كان قد عاد قبل يومين من باريس، بعد أن قام بتبكير موعد عودته الذي كان على نفس الطائرة!

مأساة «هالة وإنجى» ليست الوحيدة، فهناك 66 مأساة، لكل ضحية مأساة، عند كل أسرة فقدت حبيبا وقريبا وصديقا وعند كل مصر التي شعرت بالألم يعتصرها.

أهالى الضحايا ساورتهم أسئلة أخرى غير التي تدور في ذهن المراسل الصحفى، فالأهالى في البداية كانوا يتعلقون بأى أمل في العثور على الطائرة، عندما تبدد الأمل بدأت الأسئلة الصعبة: كيف سيقومون بدفن الأحباء، وكيف مرت اللحظات الأخيرة عليهم، هل شعروا بالألم قبل أن يلقوا وجه ربهم، لماذا، وكيف، مَن الذي تسبب؟؟؟ مليون سؤال وسؤال، ولا توجد إجابة شافية، يؤمنون بقضاء الله وقدره ويحتسبون الأحباء في الجنة بإذن الله.

استقللت السيارة التي بدا سائقها الألمانى متأثرا بالحادث يحاول أن يواسينى في رحلة امتدت لساعتين وصلت بعدها إلى القرية الصغيرة، وشعرت- بعد أن جئت هذه القرية لأتخلص فيها من همومى- بأن الهموم ظلت معى، والمشاعر الحزينة موزعة بين عملى كمراسلة تليفزيونية صحفية، وراكبة مسافرة بالطائرة يوم سقوط الطائرة وصديقة وقريبة لبعض ضحايا الطائرة، أو باختصار كمصرية سافرت خارج مصر.

*نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.