عاجل

البث المباشر

جهاد الزين

كاتب وصحفي لبناني

كاتب وصحفي لبناني

الشعوب السايكسْ بيكويّةُ المهزوزة، الفَرْدُ السايكسْ بيكويُّ المهزوز

كان يمكن للشاعر محمد الماغوط لو كان لا زال حيّاً أن يكتب عن شهر أيار أنه "شهر سايكسْ بيكوي" مستوحياً وساخرا من شعر تِ. إسْ إليوت الذي يبدأ قصيدته الشهيرة"الأرض اليباب" قائلاً: "نيسان أقسى الشهور، يُخرج الليلك من الأرض الموات، يمزج الذكرى بالرغبة..." أيار أقسى الشهور العربية أو أحد أقساها لأن فيه ولادة اتفاقية سايكس بيكو ... وفيه ذكرى "النكبة" عام 1948.

هكذا كان الشاعر السوري ومترجم إليوت عن الإنكليزيّة العراقي (عبد الواحد لؤلؤة)، وكلاهما سايكسْ بيكويّا الهويّةِ والجغرافيا، ربما سيتشاركان في الندب. أو، من يدري، كما تفعل الآن نخب مشرقية عديدة واسعة، سيعتبران سايكس بيكو، لا طبعاً وعد بلفور الذي أوصل إلى "النكبة"، فرصةً ضائعةً لأهل المنطقة. دون أن ننسى، في هذه الحالة، أن "وعد بلفور" هو أحد أكبر أسباب ضياع الفرصة السايكسْ بيكويّة في بناء دول حديثة إن لم يكن أكبرها.
بين الآراء التأريخية ( الهمزة على الألِف) غير المألوفة في النظر إلى مسألة حساسة جدا في تاريخ منطقتنا التي سمعتها مؤخّرا رأيٌ لأحد أهم مؤرخي اتفاقية سايكس بيكو والصراع الفرنسي البريطاني على المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى هو السيد جيمس بار صاحب الكتاب الشهير "خط في الرمال" الذي صدر قبل سنوات قليلة حول هذا الموضوع.
في الحقيقة هذا الرأي سبق لي أن قرأته في الكتاب بنسخته الانكليزية بين الصفحات 32 حتى 36. جيمس بار قال في مداخلته أنه خلافا للرأي الشائع لدى الباحثين والسياسيين وبالتالي على المستوى الشعبي العربي من أن الحركة الصهيونية هي التي توسّلت بريطانيا العظمى للحصول على دعمها لمشروعها آنذاك إنشاء دولة إسرائيل في فلسطين فإن مناقشات مجلس العموم البريطاني ومذاكرات تلك المرحلة تكشف أن الحكومة البريطانية هي التي توسّلت الحركةَ الصهيونية وليس العكس للحصول على دعم الحركة في الصراع مع الفرنسيين على فلسطين . وإذا صحّ هذا الرأي فهذا يعني أن وعد بلفور صدر في سياق معاكس للرأي الشائع عن أنه "تمريرة" صهيونية في الحكومة البريطانية وإنما هو استخدام بريطاني مقصود لانتزاع فلسطين من الفرنسيين؟
يثير هذا الرأي سؤالين:
الأول مدى دقته؟ أي مَنْ بادر إلى استخدام منْ وهل تبنِّي بريطانيا لمشروع وطني قومي يهودي في فلسطين هو نتيجة رغبتها فقط في السيطرة على فلسطين؟
الثاني هل كانت السيطرة الفرنسية على فلسطين لو نجحت في إطار التعديلات التي حصلت على سايكس بيكو ستؤدي إلى عدم نشوء دولة إسرائيل أو إلى صيغة مختلفة للوطن القومي اليهودي أو إلى ولادة المشروع بصيغة فرنسية؟
أسئلة افتراضية مهمة لكن الحاضر تجاوزها نهائيا على صعيد المصير الكياني الإسرائيلي بينما هذا الحاضر نفسه يعيش مرحلة متلاطمة وحية من إعادة النظر في الصيغ الدول- المجتمعات العربية التي ولّدها إطار سايكس بيكو.
فالسؤال الكبير الذي تجدّد وتكرّر طرحُهُ في مؤتمر "بيت المستقبل" في 20 و 21 هذا الشهر حول "مائة عام على اتفاقية سايكس بيكو" هو: هل رسخت فعلا هويةَ مواطني كياناتِ إطارِ سايكس بيكو؟ وأَسْتخدمُ كلمةَ "إطار" لأحفظ وجاهةَ الرأي القائل - والصحيح - أن سايكس بيكو اقتصر على تحديد مناطق نفوذ أما لاحقا فقد حصلت تعديلات عليه مثل إلحاق الموصل بالعراق وقَصْرِ لبنان على جزء من الساحل السوري وليس أكثر حتى طرطوس أو حتى اللاذقية أو مثل خروج منطقة كيليكيا من تقسيم مواقع النفوذ الفرنسية البريطانية بعد سيطرة الحركة التركية الأتاتوركية عسكرياً عليها إذْ ربما لولا هذه السيطرة كان يمكن أن تولد دويلة أرمنية في جنوب غرب الأناضول؟ لكن كل هذه الكيانات وُلِدت ضمن الإطار الأشمل الأصلي الذي وضعه سايكس بيكو.
النُخَبُ السايكسْ بيكوية، أو ذات الأصول السايْكِس بيكويّة مصابةٌ جميعا بما يمكن أن أسمّيه عوارض اهتزاز الهوية الوطنية. وهذا طبيعي في منطقة تشهد دفعة واحدة انهيار أو تصدُّعَ مجتمَعَيْن ودولتين هما المجتمعان - الدولتان السايكس بيكويّتان الأكبر أي سوريا والعراق. اللبنانيون رغم تنوّع حساسياتهم لا ينقصهم قلق الهوية السياسية وهم جاؤوا من تجربة طاحنة لم تزل "قريبة" ويعيشون يوميا عبر طبقتهم السياسية النافذة والحاكمة نوعا من الجدال الترهيبي لبعضهم البعض. ومع أن محاولة بل محاولات جارية لنقل الاهتمام من هذا المستوى الصراعي التقليدي حول الهوية وخياراتها نحو "هويات" بيئيّة وسلوكية وتنموية في إدارة الشأن العام يقوم بها جيل جديد متنور ومتطور من الطبقة الوسطى... رغم ذلك فإن قلق الحروب الأهلية الباردة والساخنة يسيطر على النقاش السايكسْ بيكوي وهذا "طبيعي". طبيعي عندما يكون غير الطبيعي هو القاعدة.
هل بات بإمكاننا الآن بعد مائة عام على سايكس بيكو أن نتحدّث عن "الفَرْدِ السايكسْ بيكوي" باعتباره كمواطن في "الدولة السايكسْ بيكَوِيّة" يحمل مواصفاتٍ خاصةً في السلوك السياسي العام لا يحملها الفرد المصري أو الفرنسي أو الفييتنامي أو..؟ بمعنى أن السايكس بيكوي هو الفرد المنتمي إلى تجربة مهزوزة وخائفة حول هوية بلده وحول هويته السياسية الوطنية نفسها؟
لا أريد أن أخصِّص معضلة الهوية الوطنية في المدى السايْكس بيكوي بما يلغي مسؤولية النخب التي حكمت وتحكم لبنان والعراق وفلسطين والأردن وسوريا والدول المشرقية الأخرى التي وُلِدَتْ في المرحلة نفسها من سوء إدارة الحكم ومساهمة الفساد والحوكمة الفاشلة في الاهتزاز المستمر للدولة - المجتمع السايكسْ بيكوي؟ مائة عام وُلِدتْ فيها فرص دول حديثة بقدر ما شهدت انتكاسات أحيانا وجوديةً وآخرها وأكبرها ما يجري الآن في سوريا؟
ليس وحده الفرد السايكسْ بيكوي هو الفرد المهاجر واللاجئ الهارب من الحروب أو من عدم الاستقرار؟ ماذا نقول عن إفريقيا في هذه الحالة؟
ملاحظتي الختامية هي أن من ينظر في الجغرافيا العربية اليوم سيجد أن الانهيار يولِّد ما يمكن تسميته بسايكس بيكو الموسّع من اليمن إلى ليبيا إلى...؟ كأنها كلها حلّت عليها لعنةُ هذا الاتفاق البريطاني الفرنسي أو "الروح الشريرة" التي أصابت دولها ومجتمعاتها كما كتب فؤاد بطرس في مذكراته واصفا الأزمة اللبنانية عام 1975؟
بعد انتهاء المؤتمر الذي انعقد في السراي العثمانيةِ الطراز كتبتُ على صفحتي في الفايسبوك :
".. ناقشنا، في جملة ما ناقشنا، وناقش غيرُنا قبلنا، عرباً وأجانب: هل الهويات الوطنية السورية والعراقية واللبنانية والأردنية حقيقية؟ كنتُ من غير المتأكدين لكن الملفت وجود عدد أكبر من المشاركين متأكِّدٍ من قوة هذه الهويات".
لقد استثنيتُ من التشكيك الهوية الفلسطينية، لا لأن الفلسطينيين أنضج منا ولكن لأن السياق الذي صنعها يجعل لا خيار غيرها لأهلها! كانت الهوية الفلسطينية أبأس هويات سايكس بيكو لكن بعد الزلزال السوري لم تعد كذلك حتى مقارنةً بالبؤس اللبناني في سنوات 1975 - 1990.
... وإلى اللقاء في الذكرى المئوية الثانية لسايكس بيكو؟

*نقلاً عن "النهار" اللبنانية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات