في ظلال أفكار سيد قطب

سالم سالمين النعيمي

نشر في: آخر تحديث:

كثيرة تلك الأسئلة التي تدور حول سيد قطب كأشهر مُنظر في العصر الحديث لفكر التكفير والخروج على الحاكم، والمرجع الأساسي لكل الحركات التكفيرية اليوم، وإن ْلم يكن فقيهاً أو صاحب علم شرعي، وغلبت عليه المهارة البيانية والأسلوب الأدبي والفكري. وتعد إشكاليات سيد قطب كمفكر عديدة، ومنها اختزاله للحضارة في النموذج الإسلامي فقط، وجعل صناعة الموت مخرجاً روحياً وإيمانياً وعدم الإشارة إلى إعمار الأرض، حيث قام بإدماج الآخرة بالدنيا في كتابه (في ظلال القرآن)، وجعل رؤيته الشخصية هي الحل تحت شعار «الإسلام هو الحل»، وهذا هو التدليس المزدوج. ويكفي أن نعرّج على تفسيره لسورة «المائدة»، وكيف كفّر من يختلف معه في الأمة الإسلامية، وأجاز الخروج المسلح على الحاكم، لنعرف بأنه أقر فكره كمصدر وحيد لفهم القرآن والشريعة الإسلامية، فقد نصب «قطب» نفسه سيداً لمفسري القرآن الكريم وفهم الدين، فأدخل الضلال بالظلال.

وبين حضارة تنزل من السماء، وحضارة يصنعها البشر، سقط الكثير من أهم أفكار سيد قطب سقوطاً مدوياً، وهذا لا يعني بأنه لا يوجد في طرحه ما هو قيم للشخص المسلم، ولكن غلبت عليه العزة الفكرية بالإثم، ومن تداعيات تلك الشطحات وأطروحاته المتشابكة انشقاق جماعة «الإخوان المسلمين» على نفسها عبر الأجيال بين مؤيد للانخراط المشروط والجزئي في الحكومات في الدول التي يعيشون فيها، وإحداث تغيرات مؤثرة في المجتمع من خلال الوزارات والجهات الحكومية التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بالمجتمع وحياته اليومية، وبين فئة أخرى ترى ضرورة التأني والبناء القوي المحكم قبل الانقضاض على السلطة، في ظل توفر الظروف الملائمة لذلك.

ومن جانبه يرى البعض الآخر أنه يفرض ما يؤمن به بقوة السلاح، وفي كل الأحوال هم يرفضون مفهوم دولة مدنية وحكومة، ويحلمون بعالمية الخلافة، وتقسيم المسلمين لفئات وتقسيم العالم لـ«حزب الله» و«حزب الشيطان»، إذاً من دون تعصب وبحيادية نقول: سيد قطب أديب وكاتب فذ، ولكن كمفكر لا نستطيع أن نطلق عليه مفكراً إسلامياً، كون الإسلام عنده حلقات خاصة يشارك فيها أناس معينون يبايعون «أمير الجماعة» على السمع والطاعة في منظر تنظيمي ماسوني ليس له علاقة بسماحة رسالة الإسلام.

فعلى مستوى العقيدة، على سبيل المثال، خلط سيد قطب بين التوحيد الذي يتعلق بمعتقد المسلمين والتوحيد المتعلق بأفعال العباد، وضمن التفسير السياسي للدين، يقول «قطب» إن الإمامة هي أصل من أصول الدين، وهذا يخالف ما ذهب إليه أهل السُنّة من أن الإمامة من فروع الدين، ولكن يجب أن نفهم أن بيننا اليوم أكثر من سيد قطب، ونحن نرى فيهم حماة الشريعة، ونعتد بأقوالهم ونعتبرها القول الفصل في علوم الدين تحت أي غطاء أو قناع، ناهيك عن دول بها نسبة كبيرة من السكان، الذين تمت برمجتهم لتبني أفكار إقصائية تجعل سيد قطب يبدو كحملٍ وديع.

ويرى سيد قطب في إصدار قوانين أو تشريعات أو أي تنظيمات يتم العمل بها لتسيير تعاملات البشر والأمم خروجاً من الحاكمية الإلهية إلى الحاكمية البشرية، ويصبح البشر محكومين بقوانين غير قوانين الله، ووفقاً لسيد قطب، فإن الجاهلية هي السمة الأساسية للمجتمع المعاصر، وجاهلية الأمة الإسلامية جاهلية ثانية مركبة، حيث توجد قوانين ودساتير تحكم المجتمعات، وتوجد أنظمة وقوانين دولية، وهذه كلها من وجهة نظر سيد قطب أصنام يعبدها المسلمون، والحاكم المسلم هو مسلم بالاسم فقط، ولكنه كافر يحكم مجتمعاً كافراً إذا لم يقر بمفهوم الحاكمية كما فسره «قطب»، وكأن «القطبيين» وحدهم هم من يفهمون الإسلام والقادرون على تصحيح عقيدة الجاهليين.

وتناول قطب فكرة الجهاد متعدد الأبعاد للتغلب على الجاهلية، وأصر على أن التسوية أمر مستحيل بين عالم الجاهلية وعالم الإسلام، وهناك مسلم حقيقي وغير حقيقي، وبالتالي لا خيار سوى اتخاذ الجهاد ضد الثقافة الحديثة من الجاهلية، ويعتقد أن تراب الوطن ليس لديه في حد ذاته قيمة أو وزن، والوطن يستحق الدفاع عنه فقط عندما يكون خاضعاً لنظام الخلافة، والإسلام عقيدة ثورية تسعى لتغيير النظام الاجتماعي في العالم بأسره، وإعادة بنائه بما يتفق مع معتقداته الخاصة، كما يرفض فكرة أن «الجهاد» بغرض الدفاع فقط، ولذلك لن ترى «إخوانياً» أو سلفياً جهادياً واحداً يعمل في الدعوة بالكلمة الحسنة والحجة، كونهم يصنفون ذلك من مظاهر الضعف وليست طريقة مثالية لنشر الإسلام.

*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.